كتبها إيال وايزمان ونشرت في "لندن ريفيو أوف بوكس" في ٥/١١/٢٠٢٦.
في نهاية سبتمبر/أيلول، حدّثت خرائط غوغل صورها الفضائية لقطاع غزة، مستبدلةً بمجموعة الصور الملتقطة في صيف 2023 صوراً أحدث. اختفت مدن بأكملها، ومُحيت عن وجه الأرض. وما زالت بعض الأسماء تحوم فوق كثبان الركام التي يصعب تمييز معالمها. الدبابيس التي تحدد مواقع صيدلية المزرعة الخضراء، ومخبز أبو خالد، وبقالة جلال، ومتحف القرارة، والمستشفى الجزائري، ومقهى لاما للنساء، وسوبرماركت أبو أحمد، ومعرض عاشور للأثاث، وعيادة الدكتور إيهاب صلاح لطب الأسنان، ومدرسة التنين الأحمر للملاكمة والفنون القتالية، ليست سوى أشباح رقمية لعالم لم يعد موجوداً، فيما تضع غوغل عليها، بتفاؤل، عبارة "مغلق مؤقتاً". قُتل في غزة أكثر من 74 ألف شخص، وفقاً لوزارة الصحة الفلسطينية، وما يصل إلى عشرة آلاف آخرين ما زالوا مفقودين تحت الأنقاض. وتمكّن أكثر من مئة ألف فلسطيني من المغادرة. أما الناجون، فقد حُشروا في منطقة تجميع على امتداد الساحل، يعيشون في مخيمات خيام مكتظة وسط المباني المدمرة، وجبال النفايات، وأنهار مياه الصرف الصحي، تحت الطنين المتواصل للطائرات المسيّرة. وتتواصل عمليات الاغتيال: ففي أكتوبر/تشرين الأول، قُتل أكثر من مئة شخص، بينهم طفلة في الثامنة من عمرها تُدعى شهد عبد الرزاق النجار.
تتعرض غزة لحملة تقليدية من سياسة الأرض المحروقة، تذكّر بنكبة عام 1948، ولا تختلف عن حملات الإبادة الجماعية الاستعمارية الاستيطانية التي شهدتها القرون السابقة. نُفّذ جزء كبير منها بواسطة المدفعية والدبابات ووحدات الهندسة العسكرية والجرافات. وكانت الحملة الجوية من الكثافة، وهي الأشد المسجلة على الإطلاق، بحيث كان من الممكن تحقيق آثارها نفسها بالقصف البساطي. ومع ذلك، فإن جانباً كبيراً من الغضب الذي أثاره فيلم "نازا"، ليوفال أبراهام وراشيل سزور، الذي عُرض أخيراً في المملكة المتحدة، يتعلق باستخدام إسرائيل الذكاء الاصطناعي وغيره من التقنيات الحاسوبية لاختيار الأهداف وحساب عدد الأشخاص الذين سيُقتلون. ويرتبط هذا الغضب بحالة الذعر المتنامية من الذكاء الاصطناعي: إذ يبدو ركام غزة كأنه صورة لعالم خرج فيه الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، والحالة النهائية لما وصفته نعومي كلاين وأسترا تايلور بـ"فاشية نهاية الأزمنة". في الفيلم، يصف أشخاص تجري مقابلتهم من دون الكشف عن هوياتهم، وقد أُخفيت وجوههم، نظام الاستهداف الآلي والحجم غير المسبوق من "الأضرار الجانبية" (واختصارها بالعبرية NZA)، أي عدد المدنيين، رجالاً ونساءً وأطفالاً، الذين يتوقع النظام أن يُقتلوا في كل ضربة. ليس هذا النظام الوسيلة الرئيسية التي نُفذت بها الإبادة الجماعية، لكنه يكشف شيئاً عن الطريقة التي يسعى بها الجيش الإسرائيلي والمجتمع الإسرائيلي إلى التستر على فظائعهما خلف لغة تقنية تبدو محايدة، تتحدث عن الحسابات ومجموعات البيانات والواجهات والتعلّم الآلي.
لطالما كانت حسابات قيمة حياة الشعوب المستعمَرة جزءاً من الاستعمار. وتعود أصول الحسابات التي يتناولها فيلم "نازا" إلى أواخر عام 2000، حين انهارت اتفاقيات أوسلو واندلعت انتفاضة الأقصى. سعى رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك، الذي اكتسب خبرة في اغتيال القادة السياسيين والثقافيين الفلسطينيين حين كان ضابطاً في القوات الخاصة خلال سبعينيات القرن الماضي، إلى إخماد الانتفاضة عبر تصفية القيادة السياسية والعسكرية الفلسطينية. وطلب من دانيال رايسنر، الذي كان آنذاك كبير المستشارين القانونيين في الجيش الإسرائيلي (وتوفي في يوليو/تموز)، وضع بروتوكول يجعل هذه الاغتيالات متوافقة مع تفسير إسرائيل لقوانين النزاعات المسلحة. أمضى رايسنر ستة أسابيع في دراسة المسألة. وخلص إلى أن الاغتيالات تكون "قانونية" إذا استوفت عدداً من الشروط: أن يشكل الهدف خطراً وشيكاً، وألا تتوافر وسيلة معقولة لاعتقاله، وأن تلتزم العملية التزاماً صارماً بمبدأ "التناسب"، بما يقلل من قتل المدنيين. ويُعد التناسب حجر زاوية في قوانين النزاعات المسلحة، لكنه لم يُدوَّن رسمياً إلا في البروتوكولات التي أُلحقت باتفاقيات جنيف عام 1977، بعد نقاش بدأ رداً على الدمار الذي سبّبه القصف الأميركي لفيتنام، حيث قُتل نصف مليون مدني.
لن يجدوا سوى الرمال: إيال وايزمان عن الخط الأصفر وتدمير غزة (ترجمة)
يحظر بروتوكول عام 1977 "أي هجوم يُتوقع منه أن يسبب خسائر عرضية في أرواح المدنيين، أو إصابات بينهم، أو أضراراً بالأعيان المدنية، أو مزيجاً من ذلك، تكون مفرطة بالقياس إلى الميزة العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقعة". وتتوقف أمور كثيرة على كلمة "مفرطة". فالجانب المروّع في البروتوكول أنه لا يحظر قتل المدنيين. إن التناسب يتعلق بالدرجة، وباتخاذ قرار بشأن ما يُعد "أكثر من اللازم". لكن كم هو هذا القدر الذي يُعد أكثر من اللازم؟ يتعمّد البروتوكول الغموض في هذه النقطة: فهو لا يحدد رقماً، لأن واضعيه اعتقدوا أن ذلك سيصبح ترخيصاً بقتل هذا العدد من المدنيين.
كان رايسنر يشعر بالإحباط من هذا الغموض. فمبدأ التناسب لا "يخبرنا بما ينبغي إدخاله في الحساب، ولا ما هي المعادلة، ولا ما هو سعر الصرف". وكان يرى أن الجيوش تحتاج إلى صيغ بسيطة وأرقام دقيقة كي تتمكن من التصرف بسرعة وكفاءة "في المواقف الآنية". وكان يحاول تطوير ما وصفه لي قبل نحو خمسة عشر عاماً بأنه "أدوات رياضية لمعالجة مشكلات التناسب". أراد نظاماً يأخذ في الحسبان أهمية الهدف، واحتمال وجود مدنيين، والضرر المتوقع أن يلحق بهم. وكان يعتقد أن ترك الحسابات للحواسيب أكثر أخلاقية من إسنادها إلى البشر، لأن الآلات لا تخضع للتحيزات البشرية، ولا تفسدها الرغبة في الانتقام أو القسوة أو الإفراط. ويتبنى أحد الأشخاص الذين قابلهم فيلم "نازا" هذا الموقف، إذ يقول لأبراهام: "من الأفضل أن يتخذ الذكاء الاصطناعي القرار، بدلاً من شخص قُتل صديقه للتو".
في ندوة حول التناسب عقدها رايسنر لضباط الجيش الإسرائيلي عام 2002، طلب من المشاركين خوض تجربة. قال لهم أن يدوّنوا على ورقة عدد المدنيين الذين يعتقدون أن قتلهم سيكون قانونياً في هجوم على هدف معين. طوى الضباط أوراقهم ووضعوها في قبعة عسكرية دارت حول الطاولة. جمع رايسنر الأرقام وقسم المجموع على عدد المشاركين. وكان المتوسط 3.14، أي العدد π (باي). ربما وجد المشاركون العملية مسلية، لكن رايسنر استخدمها لإثبات وجهة نظره: "بصفتي محامياً، أحتاج إلى أرقام أعمل بها. أحتاج إلى حدود رقمية كي أوجّه الجنود. أي رقم يمكن أن يصبح معياراً مرجعياً مفيداً". بدأ الجيش الإسرائيلي يتعامل مع الأضرار الجانبية باعتبارها مسألة محاسبية في اقتصاديات الموت. وتسارع هذا التحول بفعل التقدم في التكنولوجيا الحاسوبية. تطورت استخبارات الإشارات والذخائر الموجّهة بدقة، وأتاحت الطائرات المسيّرة، التي ظهرت في السنوات الأولى من الألفية، المراقبة على مدار الساعة. وحين بدأ الأشخاص المستهدفون بالضربات، مثل سائر الناس، يحملون الهواتف الذكية، حصلت أجهزة الاستخبارات على وسيلة غير مسبوقة لتتبع المواقع والتحركات. كما طُوّرت برمجيات لنمذجة النتائج المحتملة للانفجارات.
ومع ذلك، ظل بعض القصف يُعد غير متناسب. قرابة منتصف ليل 22 يوليو/تموز 2002، ألقت طائرة إسرائيلية قنبلة تزن طناً واحداً، وهي أكبر ذخيرة لديها، على مبنى في حي الدرج بمدينة غزة، ما أدى إلى مقتل صلاح شحادة، قائد كتائب القسام، الجناح العسكري لحماس. ابتلعت حفرة هائلة المبنى الذي كان فيه. ودُمّر أو تضرر ستة عشر منزلاً آخر في محيطه، وقُتل أربعة عشر فلسطينياً آخرين، بينهم زوجة شحادة، ليلى، وابنته إيمان، إلى جانب سبعة أفراد من عائلة مطر كانوا يسكنون في المنزل المجاور. أثارت العملية موجة استنكار دولية، وصدرت اعتراضات حتى من طيارين إسرائيليين. دافع دان حالوتس، قائد سلاح الجو الإسرائيلي آنذاك، عن الطيار الذي ألقى القنبلة، قائلاً: "لقد فعلت بالضبط ما صدرت إليك التعليمات بفعله"، وطالب بمحاكمة منتقدي العملية الإسرائيليين بتهمة الخيانة. وحين سُئل عما يشعر به عند إلقاء قنابل تقتل مدنيين، أجاب: "أشعر باهتزاز خفيف في جناح الطائرة". لكن حتى إدارة بوش أدانت إسرائيل بسبب "تصرفها المفرط في استخدام القوة".
عندما بدأت إسرائيل برنامج الاغتيالات المستهدفة، أعلنت الولايات المتحدة أنه غير قانوني. لكن بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول، ومع امتداد الحروب الاستعمارية الجديدة من فلسطين إلى العراق وأفغانستان، تبنّت الولايات المتحدة تكتيكات إسرائيل وتفسيرها الأساسي لقوانين الحرب. في عام 2003، استعدت الولايات المتحدة لغزو العراق بقصف واسع النطاق لبغداد، كان الهدف منه إحداث "الصدمة والرعب". وحدد تحليل التناسب الذي أجراه البنتاغون سقوفاً للأضرار الجانبية. كان مارك غارلاسكو محلل استخبارات في البنتاغون، وشارك في التخطيط لضربات جوية تستهدف "أهدافاً عالية القيمة"، وكان صدام حسين على رأس القائمة. وتلقى أمراً بإبقاء عدد المدنيين الذين يُقتلون في كل ضربة دون الثلاثين. وكان تقدير عدد القتلى يُنتج بواسطة برنامج حاسوبي كان يُسمى في الأصل BugSplat، قبل أن يُعاد تسميته لاحقاً، بعدما تبيّن أن الاسم "غير ملائم" سياسياً، إلى Fast Collateral Damage، أي "الأضرار الجانبية السريعة". وكان البرنامج، الذي ما زالت نسخ منه تُستخدم عسكرياً، يأخذ في الحسبان عوامل معمارية، مثل حجم المبنى والنسب النسبية للفولاذ والخرسانة والزجاج فيه، إلى جانب عوامل أخرى، مثل عدد الأشخاص المتوقع وجودهم داخل المبنى وحوله في أوقات مختلفة من اليوم، وحجم القنبلة ونوعها وزاوية الهجوم. قال لي غارلاسكو: "إذا كان الرقم [الذي يقدمه البرنامج] أعلى من 29، كنا نطلب من سلاح الجو تعديل زوايا القنابل وصواعق التفجير ووزن القنابل وما إلى ذلك، حتى نخفض الرقم إلى نحو 25". وإذا لم تكن هناك وسيلة لإبقاء العدد دون الثلاثين، كان لا بد من إحالة الضربة إلى وزير الدفاع دونالد رامسفيلد للموافقة عليها.
غالباً ما يدّعي الذين يجرون حسابات التناسب أن مهمتهم هي تقليل الأضرار التي تلحق بالمدنيين. فبينما يزهقون بعض الأرواح (أقل من ثلاثين)، فإنهم ينقذون أرواحاً أخرى (يُفترض أن عددها يتجاوز ذلك). ويخلق هذا المنطق تقارباً مقلقاً بين العمل العسكري وقانون حقوق الإنسان، الذي يمكن أن يتحول إلى مخطط لتحقيق الكفاءة العسكرية: فهو ينظم كيفية تمكّن الجيش من تحقيق أهدافه بأفضل طريقة ممكنة، من دون استخدام غير ضروري للقوة. وبعد استقالته من البنتاغون، وظّفت منظمة هيومن رايتس ووتش غارلاسكو، وطلبت منه إجراء تحليل مماثل، ولكن في الاتجاه المعاكس. أُرسل إلى مناطق الحروب لدراسة أشكال المباني المدمرة (وكانت غزة إحدى وجهاته بعد الدمار الذي ألحقه بها الهجوم الإسرائيلي عامي 2008-2009)، واستنتاج نوع القنبلة المستخدمة، وما إذا كان الهجوم متناسباً.
الـ AI أداة للإبادة: لهذه الأسباب يقترب "نازا" من جائزة كبرى في فينيسيا
يعتمد العدد الذي يُتفق على اعتباره متناسباً على أهداف جيش الاحتلال. ففي أحد طرفي الطيف، تحاول الجيوش تقليل العدد عندما تسعى إلى كسب "قلوب وعقول" السكان المستعمَرين؛ وفي الطرف الآخر، تسعى إلى تعظيمه عندما تريد إرهاب الناس لإخضاعهم، أو طردهم، أو إبادتهم. في عام 2009، خلال السنوات الأولى من عهد أوباما، ادّعى الجنرال ستانلي ماكريستال، الذي كان يقود القوات الأميركية في أفغانستان، أن الغضب الناجم عن سقوط ضحايا مدنيين هو "أحد أخطر الأشياء التي نواجهها". وحذّر من "حسابات المتمردين"، التي تعني أن كل مدني يُقتل سيخلق عشرة أعداء جدد. وعندما تعرضت إدارة أوباما لانتقادات بسبب عمليات الاغتيال التي نفذتها بطائرات مسيّرة، ردّ جون برينان، مستشار البيت الأبيض لشؤون مكافحة الإرهاب، بأنه "من الصعب تخيّل أداة يمكنها تقليل المخاطر على المدنيين بصورة أفضل". بل إن آخرين وصفوا الطائرات المسيّرة، على نحو لا يُصدّق، بأنها "تكنولوجيا إنسانية".
وفقاً لمكتب الصحافة الاستقصائية، أمر أوباما بتنفيذ ضربات بطائرات مسيّرة يزيد عددها بعشرة أضعاف على تلك التي أمر بها بوش. وكانت هذه الضربات تقع في أغلب الأحيان في مناطق مدنية مكتظة بالسكان، مثل الأسواق والمنازل والمساجد والمدارس، في باكستان والصومال واليمن، وقتلت مئات المدنيين. ولم تستهدف ضربات الطائرات المسيّرة القاتلة أفراداً معروفين فحسب، بل أيضاً مشتبهين توحي أنماط حياتهم بأنهم ربما أعضاء في تنظيم القاعدة أو طالبان. وكانت الضربات تُؤمر بناءً على الحركة على طرق معينة، أو إجراء مكالمات هاتفية مع أرقام محددة، أو ارتياد مساجد بعينها.
يمكن أيضاً استخدام قتل المدنيين وتدمير الممتلكات المدنية بوصفهما فعلاً من أفعال الإرهاب والانتقام. خلال حرب لبنان عام 2006، دمّرت إسرائيل خمسة عشر ألف مبنى وجزءاً كبيراً من الضاحية الجنوبية لبيروت، معقل حزب الله. وفي عام 2008، أعلنت أن تدمير المدن سيصبح حجر الزاوية في سياسة الردع لديها. وأوضح غادي آيزنكوت، الذي كان آنذاك قائد الجبهة الشمالية الإسرائيلية، والذي ينافس نتنياهو، في وقت كتابتي هذا المقال، في الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول، أن "عقيدة الضاحية" تعني أن إسرائيل سترد باستخدام "قوة غير متناسبة... وستتسبب بأضرار ودمار هائلين". وإلى جانب التهديد الصريح باستهداف المدنيين، فإن استخدام مصطلح "غير متناسب" بالغ الأهمية هنا. فقد كان مقصوداً به المعنى الحرفي، أي استخدام إسرائيل قوتها النارية الساحقة بلا قيود لتسوية المناطق الحضرية بالأرض، والمعنى القانوني أيضاً: أي أن إسرائيل تنتهك قوانين الحرب، التي يشكل مبدأ التناسب عنصراً أساسياً فيها. وإذا كان استخدام مبدأ التناسب يُفهم على أنه يوحي بتأييد شن حرب أخلاقية ومحسوبة وعقلانية، فإن العمل غير المتناسب يُظهر علناً عدم الاستعداد للخضوع لأي حد قانوني أو معياري، واستعداداً إبادياً لقتل المدنيين جماعياً. وقد طُبقت عقيدة الضاحية في موجات القصف الإرهابي الهائلة التي شنّتها إسرائيل على غزة في شتاء 2008-2009، وصيف 2014، ومرة أخرى في ربيع 2021، والتي قُتل فيها آلاف المدنيين الفلسطينيين ودُمّرت عشرات آلاف المنازل.
وبين تلك الهجمات، فُرض على غزة شكل آخر من الحسابات، عبر حصار لا هوادة فيه، كان الهدف منه إبقاء الفلسطينيين على عتبة الحياة. فقد حددت وثيقة عسكرية تُسمى "الخطوط الحمراء" الحد الأدنى من السعرات الحرارية اللازمة لإبقاء سكان غزة على قيد الحياة، عند مستوى أعلى بقليل من تعريف الأمم المتحدة للجوع (2100 سعرة حرارية يومياً للرجال، و1700 للنساء، وكميات متفاوتة للأطفال بحسب الجنس والعمر). وتُرجم إجمالي السعرات الحرارية إلى وزن المواد الغذائية المطلوب لإطعام سكان غزة، الذين كان عددهم آنذاك 1.5 مليون نسمة، ومن ثم إلى عدد شاحنات المساعدات المسموح بدخولها إلى القطاع. وانطبق الأمر نفسه على ميغاواطات الكهرباء وليترات الوقود والمياه. وكان ما يُعتبر سلوكاً جيداً يُكافأ بزيادة الكميات الداخلة، فيما كانت أي أعمال مقاومة تُقابل بتشديد الحصار، كما لو أن الأمر نسخة على مستوى شعب بأكمله من تجربة ميلغرام.
بعد القصف الجوي لغزة عام 2021، أفاد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي آنذاك، أفيف كوخافي (الجنرال المحب للفلسفة الذي تناولته في عدد 16 ديسمبر/كانون الأول من ذلك العام من مجلة LRB)، بأن كثيراً من الأهداف كانت تُختار بواسطة نظام ذكاء اصطناعي، تبيّن لاحقاً أن اسمه "هبسورا"، أي "الإنجيل" بالعبرية. ووصف أحد ضباط الجيش قصف عام 2021 بأنه "أول حرب بالذكاء الاصطناعي". وعندما أصبح كوخافي رئيساً للأركان، وعد بجعل الجيش "أكثر فتكاً"، وكان نظام "الإنجيل"، الذي وصفه بأنه أداة من أجل "تصنيع الإبادة الدقيقة"، محورياً في تحقيق هذا الوعد. ففي جولات القصف السابقة، كانت المباني تُدمّر بمعدل سريع إلى درجة أن الاستخبارات العسكرية لم تكن تستطيع توفير أهداف جديدة بالسرعة الكافية، وكان سلاح الجو ينفد من الأشياء التي يمكن قصفها. وصُمم "الإنجيل" لدمج البيانات الواردة من مصادر متعددة، من محادثات هاتفية معترضة، وبيانات المواقع، وصور جوية وفضائية، وعملاء بشريين، وإنتاج إحداثيات بصورة متواصلة (فمن دونها لا تعمل الذخائر الموجّهة). ومرة أخرى، ادّعى الجيش أن نظام "الإنجيل" يساعد على تقليل الأضرار الجانبية.
انسحبت المقاومة المسلحة في غزة إلى تحت الأرض، سعياً إلى جعل نفسها غير مرئية وغير قابلة للحساب. وفي اللحظة التي اعتقدت فيها حكومة نتنياهو أنها أرضت حماس بتخفيف معين للحصار، وإقناع قطر بضخ ما يقارب ملياري دولار إلى غزة، وزيادة كميات الكهرباء والوقود والغذاء الموردة إليها، وقع في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 الحدث الذي لم تكن قد أدخلته في حساباتها.
بدأت الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة بإعلان وزير دفاعها، يوآف غالانت، أنه "لن تكون هناك كهرباء، ولا طعام، ولا ماء، ولا وقود"، فأغلق الصنبور الذي كان يسمح بمرور كميات تزيد أحياناً وتقل أحياناً أخرى. كما رفع مستوى "الأضرار الجانبية" إلى الحد الأقصى. وشهدت الأسابيع الثلاثة الأولى قصفاً جوياً هائلاً، ألقى خلاله الجيش أكثر من 25 ألف طن من الذخائر على مدن غزة ومخيماتها، واستهدف معظمها مدينة غزة نفسها. وسجلت وزارة الصحة الفلسطينية أول عشرة آلاف قتيل. وتُظهر المشاهد التي يختتم بها فيلم "نازا" محاولات إنقاذ أشخاص من تحت الأنقاض، وأباً يحاول بيأس إزالة الركام بيديه بحثاً عن أطفاله.
هذه المرة، لم ينفد سلاح الجو من الأهداف، لكنه بدأ يعاني نقصاً في الذخائر. فأعادت الولايات المتحدة تزويده بها عبر واحدة من أكبر عمليات الجسر الجوي التي نفذتها على الإطلاق. سقطت القنابل على المنازل، والأبراج التجارية، ومراكز التسوق، والمدارس، والمساجد، والمخابز، والمصارف، والكورنيش، والمستشفيات، والمجلس التشريعي، والمكتبات التجارية، ودور النشر، والمكتبات العامة، والجامعات، ومستودعات الأغذية، والمطاعم، والمحاكم العليا والإدارية والدستورية. كما دُمّرت أو تضررت مئات المواقع الأثرية والتراثية. وشرّد القصف أكثر من مليون فلسطيني من منازلهم: كان الهدف دفعهم جنوباً، نحو الحدود مع مصر، ثم إلى خارج فلسطين.
كشف أبراهام، المخرج المشارك لفيلم "نازا"، عن الاستخدام المدمّر للذكاء الاصطناعي بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، في سلسلة من المقالات الاستقصائية الرائدة نشرها في المجلة الإلكترونية "+972"، وموقع "لوكال كول"، وصحيفة "الغارديان". وفي "نازا"، نسمع بعض مصادره يتحدثون للمرة الأولى. يصفون نظاماً يُسمى "لافندر"، صُمم لتحديد ما إذا كان مستخدم هاتف معين عنصراً في حماس، ومدى رتبته إن كان كذلك، وعنوان منزله المحتمل، وذلك من خلال بيانات موقع الهاتف والمكالمات التي أجراها وجهات الاتصال المحفوظة فيه. ولم تتجاوز درجة يقين النظام 85 في المئة، وكما يعترف أحد الأشخاص الذين تجري مقابلتهم في "نازا"، فإن خبازاً يعمل بالقرب من قاعدة لحماس قد يكون هاتفه مليئاً بأرقام عناصر في الحركة، لكن ذلك كان كافياً للسماح بقتله مع عائلته بأكملها. وتعلق كشف آخر من كشوف أبراهام بنظام يُسمى "أين أبي؟". يتيح هذا النظام لضباط الاستخبارات الاستماع، من بين أمور أخرى، إلى محادثات بين أفراد العائلة، بمن فيهم أطفال الشخص المستهدف، وهم يعبّرون عن سعادتهم بعودة والدهم إلى المنزل. تجعل هذه التكنولوجيا القتل عن بُعد قريباً على نحو حميم. يستمع القتلة إلى الأحاديث اليومية للأشخاص الذين هم على وشك قتلهم، ثم إلى أنين الجرحى وصراخهم بعد ذلك.
أطلق قائد الوحدة 8200، وهي وحدة الاستخبارات التي صممت النظام، على "التآزر بين البشر والآلات" اسم "الإدراك الفائق". ونادراً ما يعترض ضباط الاستخبارات والمستشارون القانونيون على النتائج التي ينتجها النظام. يقول أحد الأشخاص الذين تجري مقابلتهم: "عليك أن تثق بالنظام". وهم يثقون به بالفعل، كما يتضح من أن الموافقة على استهداف شخص تستغرق، في المتوسط، عشرين ثانية فقط. ويتيح النظام توزيع المسؤولية عن "الإبادة المصنّعة" بين المبرمجين، والمشغّلين، والمسؤولين القانونيين الذين يحددون مسبقاً مستوى الأضرار الجانبية، والضباط الذين يوافقون على الضربة، والضباط الذين يختارون القنبلة، والطيارين أو مشغّلي الطائرات المسيّرة الذين ينفذونها. يقول أحد الأشخاص الذين تجري مقابلتهم: "أنا مجرد برغي صغير في النظام"، مستعيداً دفاع أيخمان عن نفسه خلال محاكمته في القدس. إن النظام الذي يبدأ بإدخال رقم هاتف في منظومة حاسوبية ينتهي بسحق عائلة بأكملها تحت الأنقاض.
كان هدف القصف الجوي أكثر فجاجة مما قد توحي به التكنولوجيا المتطورة. فعندما قدّم هرتسي هاليفي، رئيس هيئة الأركان العامة، إلى مجلس الحرب ملخصاً لعمليات الجيش خلال الساعات الثماني والأربعين الأولى بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، احتفى بحقيقة أن سلاح الجو هاجم بالفعل 1500 هدف، استناداً إلى "قدرات استخباراتية وعملياتية استثنائية". ويُقال إن نتنياهو ردّ: "لماذا ليس خمسة آلاف؟". فأخبره هاليفي بأن "الجيش لا يملك خمسة آلاف هدف مصادق عليه". وكانت كلمة "مصادق عليه" تعني أشخاصاً جرى تحديدهم بوصفهم أهدافاً عسكرية، مع مستوى محدد من الأضرار الجانبية المسموح بها لكل هدف. وقال نتنياهو إنه "غير مهتم بالأهداف. سوّوا المباني بالأرض، واقصفوا بكل ما لديكم". لا بد أن بعض المعايير قد عُدّلت، للسماح بدرجة أقل من اليقين بشأن الهدف، وبمزيد من الأضرار الجانبية، لأن وتيرة القصف ازدادت. وفي صيف 2025، سُرّب تسجيل صوتي قال فيه رئيس سابق للاستخبارات العسكرية، كان قد أشرف على تطوير نظام الذكاء الاصطناعي ونشره، إنه يجب أن يموت خمسون فلسطينياً مقابل كل إسرائيلي قُتل في 7 أكتوبر/تشرين الأول. وقال: "إن حقيقة وجود خمسين ألف قتيل بالفعل في غزة أمر ضروري ومطلوب من أجل الأجيال القادمة". وأضاف: "لا يهم الآن إن كانوا أطفالاً".
قُتل الفلسطينيون بالقنابل والطائرات المسيّرة ونيران القناصة والدبابات، وأُطلق عليهم الرصاص وهم يذهبون بحثاً عن الطعام، وماتوا جوعاً بسبب تدمير الزراعة ومنع قوافل المساعدات، وقُتلوا بأمراض كان يمكن الوقاية منها. وإذا كان المطلوب هو قصف جماعي عشوائي، فلماذا تكبّد عناء استخدام نظام ذكاء اصطناعي؟ جزء من الإجابة التي يقدمها فيلم "نازا" هو أن الأدوات التكنولوجية المتقدمة تمنح القتل مظهراً من الشرعية العلمية. فهي تتيح للجيش الإسرائيلي الادعاء بأنه يبذل جهوداً كبيرة للتمييز بين المقاتلين والمدنيين، ولتقليل عدد المدنيين الذين يُقتلون. ويدّعي المدافعون عن إسرائيل أن مجرد حسابها "الأضرار الجانبية" يعني أن هجومها لا يمكن بأي حال تصنيفه إبادة جماعية. فالإبادة الجماعية تقتضي أن يكون قتل المدنيين مقصوداً، بينما بُرمج النظام الحاسوبي على اعتبار قتلهم أمراً عرضياً.
جيش الاحتلال يرد على "نازا" بفيلم دعائي و"الغارديان" تفند ادعاءاته
لكن، كما يؤكد أحد الأشخاص الذين تجري مقابلتهم في "نازا"، مع تصنيف سبعين ألف فلسطيني أهدافاً عسكرية، وتحديد الأضرار الجانبية الافتراضية بعشرين مدنياً مقابل كل عنصر منخفض الرتبة (وأكثر من مئة مقابل القادة العسكريين والسياسيين)، "يمكنك بهذه الطريقة قتل غزة بأكملها". وكما يوضح شخص آخر ممن تجري مقابلتهم، "كان الهدف الكمّ لا النوع"، لكن، كما قال ستالين، "للكمّ نوعيته الخاصة". إن الإبادة الجماعية هي المحصلة الكلية لضربات تستهدف أفراداً كلّاً على حدة. وهذا ما أطلقت عليه الباحثة في التكنولوجيا جوليا نوينو غيتارت، في كتابتها عن استخدام الذكاء الاصطناعي في غزة، اسم "القتل الجماعي المُفرَدَن". كان قتل المدنيين وتدمير المنازل والبنية التحتية هو القصد من القصف، لا "أثره الجانبي"؛ وكما يقول العاملون في التكنولوجيا كثيراً، "كانت هذه خاصية في النظام، لا خللاً فيه".
في إسرائيل، وُصف صانعو الفيلم بالخونة بعد الاستقبال الحماسي الذي حظي به في مهرجان البندقية السينمائي في سبتمبر/أيلول. وطاردت حشود غاضبة المخرجين وعائلتيهما. ومن دون أن يشاهد الفيلم، وصف إيال زامير، رئيس هيئة الأركان العامة الحالي، ما كشفه الفيلم بأنه أكاذيب و"فرية دم"، ثم أطلق، من دون أن ينتبه إلى التناقض، تحقيقاً لمعرفة من سرّب المعلومات السرية. وأعلن نتنياهو أن الحكومة ستعمل على تجريد المخرجين من جنسيتهما. إن المسؤولين الإسرائيليين أنفسهم الذين أعلنوا أنه لا يوجد أبرياء في غزة، يشعرون الآن بالغضب من فيلم يُظهر أن هذا هو بالضبط المبدأ الذي تصرف الجيش على أساسه.
الفيلم أكثر هدوءاً وتأملاً مما توقعت. صُوّر بأسلوب يترك أثراً عميقاً على أسطح مباني تل أبيب المزدهرة، والأبراج الشاهقة التي ظهرت خلال العقود الأخيرة بفضل الاستثمارات في قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي، الذي يتاجر جزء كبير منه في "منتجات أمنية" جرى اختبارها على الفلسطينيين. والأشخاص الذين يطوّرون جهاز الاستهداف الجماعي ويشغّلونه هم في معظمهم أعضاء في الوحدة 8200، التي كثيراً ما يؤسس خريجوها شركات أمنية ناشئة تغذي فقاعة التكنولوجيا الإسرائيلية. وعلى الرغم من أن الفيلم لا يُظهر ذلك، يمكن من أسطح المباني في الضواحي الجنوبية لتل أبيب رؤية ومضات القنابل التي تنفجر في غزة ليلاً. ينتمي الأشخاص الذين تجري مقابلتهم إلى شريحة من الإسرائيليين الليبراليين، حيث، كما يقول أحدهم، "لا أحد يكره العرب". فهم ليسوا مستوطنين أو متطرفين من اليمين الأقصى، بل "ليبراليون" علمانيون ومتعلمون ومتطورون تكنولوجياً، وهم الطبقة التي ينتهي بها الأمر، كما يعترف الشخص نفسه، إلى "قتل معظم العرب". الفيلم حكاية مدينتين، إحداهما مدينة أبراج من الفولاذ والزجاج، والأخرى مدينة مخيمات لاجئين. إن نمو الأولى هو نتيجة تدمير الثانية. ويقدّم نظام الذكاء الاصطناعي المستعمِر بوصفه عقلانياً، في صورة معكوسة لتقديم المقاومة الأصلانية بوصفها غير عقلانية، بما يؤكد المسافة بين المستعمِر الذي يُفترض أنه تجاوز الحالة البشرية، والمستعمَر الذي يُنظر إليه بوصفه بالكاد إنساناً.
في عام 1755، تسبب زلزال في المحيط الأطلسي بموجة تسونامي دمّرت لشبونة. قُتل ثلاثون ألف شخص. صدم دمار لشبونة أوروبا، وأثار أسئلة أخلاقية وسياسية لا تختلف كثيراً عن تلك التي يثيرها اليوم ركام غزة. وفي عام 1758، في أعقاب الكارثة، كتب فولتير رواية "كانديد". وشخصية بانغلوس فيها محاكاة ساخرة للفيلسوف لايبنتس، الذي وفّق بين وجود الكوارث ووجود الله عبر تصوّره اللهَ رياضياً مثالياً يحل مسألة تعظيم وتصغير في حساب التفاضل الخاص بالاستمثال. فالدمار والألم اللذان يُنزلهما الله بالعالم يكونان دائماً محسوبين بدقة متناهية، بحيث لا يمكن أن يكونا أقل مما هما عليه. والعالم، بالنسبة إلى بانغلوس، هو دائماً "أفضل العوالم الممكنة"، أو أقل الشرور الممكنة. إن الخراب الكامل الذي حلّ بلشبونة في القرن الثامن عشر، مثل الخراب الذي حلّ بغزة في القرن الحادي والعشرين، يجعل من هذه الحسابات موضع سخرية.
