هوامش:

القلب البنفسجي

Johannes vermeer، girl with a pearl earring، 1665

عدي الزعبي

كاتب من سوريا

تبدو لي رؤية هيربرت أكثر منطقية وأعمق من خصومه على الطرفين. حاول أن يجعل الأدب حقلاً للأسئلة، مكاناً مفتوحاً للتأمل: ضد الالتزام المتفائل، وضد التسلية بمقولات غربية عن عبث الحياة. حقلٌ يواجه الأسئلة ويتحدى العتمة،

للكاتب/ة

ويبدو أن أستاذ الرواية العربية فكر في هذا كثيراً، بل والسؤال الذي طرحه على الهواء على طه حسين في المقابلة الشهيرة مع مثقفي مصر، يقتصر على محاولة فهم إجابة العميد على تشكك محفوظ الشخصي في التشاؤم. كأن محفوظ يريد من العميد أن يطمئنه، أن يأخذ بيده في هذا العالم الثقيل والمعتم.

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

26/02/2025

تصوير: اسماء الغول

عدي الزعبي

كاتب من سوريا

عدي الزعبي

(1)

يهاجم الشاعر البولندي زبينغيف هيربرت (1924-1998) موجةَ التشاؤم السائدة في أوروبا في القرن العشرين، ولكنه لا يسخر منها. يعتقد شاعرنا بأن "العالم ثقيل ومعتم، ولكنه واقعي. لا يجوز أن نفقد الإيمان في الإحاطة به عبر الكلمة، وتطبيق العدالة فيه". يقول إنه يتفهم مصدر التعاسة والتشاؤم، ويرفض أن ينضم إليهما. 

كان هيربرت يعي أن زمنه لا يشبه زمنهم: أي أن ما حدث في أوروبا الغربية وأمريكا لا يشبه ما حدث في أوروبا الشرقية- دع عنك غرب آسيا أو أمريكا الجنوبية وإفريقيا. ليست مهمة الكاتب الاحتفاء بغياب المعنى ونشر النكد، ولا الكتابة بأساليب ملتوية لأن العالم غير مفهوم. كل هذا يرفضه الشاعر البولندي، الذي وثق بالميتافيزيقيا، وكتب عن الملائكة، وكوجيتو ديكارت، ومحاولة الإنصات إلى صوته الداخلي الهش. 

المدهش أن هيربرت عاش حياته فقيراً مكسوراً لأنه رفض الانضمام إلى جوقة اليسار المتفائلة، وبقي معادياً بشدة للحكم الشيوعي. ولكنه رفض -بنفس الحدّة والإصرار- أن يتحوّل إلى صوت آخر يشيد بالتعاسة ويمجّد الهزيمة. يتبيّن المرء في أعماقه محاولة مدهشة للخروج من ثنائية قاسية: أدب ملتزم غير فني مقابل أدب غير ملتزم يدّعي الفنية. يخرج الشاعر الرزين من الثنائية بحريّة الأسماك، ويترك لشعره أن ينفذ إلى الإنسان كما هو. 

في مقالٍ عن الفن الهولندي، يستخدم تحليلاً ماركسياً لفهم إحدى معضلات التاريخ الفني: ظهور أعمال واقعية عن الناس العاديين في القرن السابع عشر. يطرح هيربرت سؤالاً محيراً: لماذا لا تظهر الأعمال البطولية في الفن التشكيلي، في زمن الجمهورية الهولندية، التي حاربت أكبر الإمبراطوريات حينها، الإمبراطورية الإسبانية، دفاعاً عن الحرية؟ ويجيب بدقة: لأن الحرية معطى مباشر. الاحتفاء بالحياة، وليس بالحرب، حرّك الجمهوريين الهولنديين. قدّمت هولندا بعض أجمل اللوحات الواقعية في هذا القرن- هنا أفكر بشكل خاص في بروغيل وفيرمير- بدون أية أبعاد دينية، أو تاريخية، أو سياسية: وحده الإنسان العادي مصدر السعادة، والمحبة، والكرامة. ليست اللوحات البطولية محور الفن التحرري، بل العادي البسيط: وهذا ما أذهل هيربرت، وشدّه إلى هولندا القرن السابع عشر، كأنه يواجه بها القرن العشرين بفنه الاشتراكي الدعائي المتهافت، وادعاءات الغرب الفنية الشكلية المملة، في نفس الوقت. 

أشارك هيربرت نفوره من التشاؤم الفلسفي-الأدبي حول مصير الإنسان، كما تراه في أعمال أمريكية وأوروبية، (أفكر في قراءاتي الأخيرة للنرويجي يوهان فوسه أو الألمانية أنغبورغ باخمان، وحتى الفرنسي جورج بيريك، أو الأميركيان بوكوفسكي وسلفيا بلاث، أو الأعمال التجريدية لمارك روثكو، أو أنيش كابور، وغيرهم الكثير). ويفكر المرء في بعض تعليقات جورج لوكاتش على الفن الأوروبي الحديث. لا يجوز تناسيها كلياً لأنها صادرة عن ماركسي متعصب متزمت. بحسب لوكاتش، في الأدب انعكاس للمجتمع وقيمه: والتشاؤم انعكاس لمجتمع خاص، مجتمع تتفكك فيه القيم، وتتحول فيه الفردانية إلى قيمة مطلقة، والعالم إلى مجموعة مفككة من الانطباعات: وهذا جذر التشاؤم. لا أريد القول إنهم متطابقون، ولكنني أشعر بغربة عنهم. وأشعر بغربة أكبر عن الأصدقاء العرب الذين يقتربون منهم ويتأثرون بهم. العالم ثقيل ومعتم: بالتأكيد؛ ولكن، لماذا على الفن أن يؤكد هذه الواقعة، لا أن يحاول فهمها في العمق، وبالتالي، أن يخلخل معناها؟

على العموم، يبدو لي أننا لا نجد مثل هذا التشاؤم الجارف خارج أوروبا الغربية: في أدب الصين، أو أوروبا الشرقية: مثلاً عند ما يوان، أو مو يان، أو هيربرت نفسه، أو شيمبورسكا. لا يتحوّل التشاؤم إلى الموضوع الرئيس، حتى في أعمال سوداوية، مثل "الشيطان الذي في داخلنا" للروائي التركي صباح الدين علي، أو "البومة العمياء" للقاص الإيراني صادق هدايت. التغنّي بالتشاؤم الفلسفي، على ما يبدو لي، نتاج مجتمع معين، لا يشبهنا، ولا نشبهه. 

ويبدو أن أستاذ الرواية العربية فكر في هذا كثيراً، بل والسؤال الذي طرحه على الهواء على طه حسين في المقابلة الشهيرة مع مثقفي مصر، يقتصر على محاولة فهم إجابة العميد على تشكك محفوظ الشخصي في التشاؤم. كأن محفوظ يريد من العميد أن يطمئنه، أن يأخذ بيده في هذا العالم الثقيل والمعتم. وقد بقي محفوظ، المهذّب اللبق النبيل، يعامل عباس العقاد والعميد وتوفيق الحكيم باحترام وتبجيل، كأنه -وهو الذي تجاوزهم بمراحل- يعترف بتلمذته على أيديهم. إجابة العميد تلخّص رؤية هيربرت، وتنعكس في مجمل أعمال محفوظ: على الكاتب ألا يحتفي بالعبث والألم. كثيراً ما قيل إن محفوظ متأثر بواقعية القرن التاسع عشر الأوروبية، وهذا صحيح: ليس فقط لأنه تبنى الواقعية لفترة طويلة (بل وعادت، بأشكال جديدة في أعماله من الثمانينيات)، بل لأنه حتى عندما تلاعب بالشكل في "الحرافيش" و"حديث الصباح والمساء" وغيرها، بقي مسؤولاً عن سؤال المعنى؛ ومثل هيربرت، رفض الانضمام إلى جوقة اليسار المتفائلة، أيضاً. 

تبدو لي رؤية هيربرت أكثر منطقية وأعمق من خصومه على الطرفين. حاول أن يجعل الأدب حقلاً للأسئلة، مكاناً مفتوحاً للتأمل: ضد الالتزام المتفائل، وضد التسلية بمقولات غربية عن عبث الحياة. حقلٌ يواجه الأسئلة ويتحدى العتمة، وهذا ما نفتقده هذه الأيام، في صراعاتنا المميتة التي تدفعنا لنسيان معنى الأسئلة، في عالم شديد القسوة، يشدنا نحو نقيضين، التزام أو تشاؤم، بدون فسحة للتأمل الهادئ المستور الناعم...

(2)

الملائكة السبعة 

كلّ صباح، يأتي سبعة ملائكة. يدخلون بدون استئذان. ينتزع أحدهم قلبي من الصدر. يضعه في فمه. يكرر الباقون ذلك. حينها تذوي أجنحتهم وتتحول وجوههم من اللون الفضي إلى البنفسجي. فيما يغادرون، يقرقعون بالقباقيب. يتركون القلب على الكرسي كقِدْرً فارغ. ينبغي ملؤه طوال اليوم كي لا تغادرني الملائكة في الصباح التالي فضيين ومجنحين. 

هيربرت. قصيدة نثر. 

الكاتب: عدي الزعبي

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع