الأُمَّةُ في أحد معانيها القرآنية هي المذهب أو الطريقة أو الشِّرعة أو المنهج أو الدِّين (إِنَّا وجَدْنا آباءَنا على أُمَّةٍ).
والأمَّةُ جماعةٌ يمكن أن تكون من البشر، ويمكن أن تكون من غيرهم من المخلوقات (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم).
(كان الناسُ أُمَّةً واحدةً فبعَث اللهُ النَّبِيِّين مُبَشِّرين ومُنْذِرين)، أي كانوا على دينٍ واحد. (وهَلْ يَسْتَوي ذو أُمَّةٍ وكَفُورُ)، أي ذو دين وكفور.
(كُنْتُمْ خير أُمَّةٍ)، أَي خير أَهْلِ دين.
وتأتي الأمّة بمعنى الرجل الصالح الذي يؤتم به (إن إبراهيم كان أُمّة قانتاً لله حنيفاً ولم يكُ من المشركين).
وتأتي بمعنى الفترة من الزمن (ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمّة معدودة).
ويقال: نحن من أمّة محمد أو من أمّة عيسى أو من أمّة موسى، أي من أتباعه الذين هم على دينه.
وكل ما سبق لا علاقة له بتعريف الأمّة لدى علماء الاجتماع والباحثين والفلاسفة والمفكرين في عصرنا.
* * *
لو بحثنا وقلَّبنا وفتَّشنا ونقَّبنا وتقصَّينا في مواطِن وبواطِن ومجامع ومفارق تراثنا (شعر وخُطب وقرآن وحديث) عن معنى كلمة "القومية" فلن نجد لها أي معنى غير معنى "القوة" المشتقة من القوامة بما هي سلطة وقوة. قال الفرزدق:
ألقى عليه يديه ذو قومية... وردٌ فدقَّ مجامعَ الأوصالِ
أما تعريفات القومية التي قرأناها لدى بعض المنظِّرين، وفي المناهج المدرسية، فإنها نتاجٌ حديثٌ ومعاصر تبلور في أوروبا أولاً تحت مصطلح Natioalism، ثم انتقل إلينا بعد أن اشتققنا ترجمته من كلمة "قوم"، وصارت له مدارس وأحزاب وأنظمة، لكنَّ تبديل الاشتقاق من القوامة إلى القوم، لم يمنع من أن "القوَّة" بقيت هي المتحكمة وليس الموضوع والموضوعية، ولا العقل والعقلانية.
* * *
الأمة والقومية وحتى الجنسية، في الإنكليزية مثلاً، مشتقة من الجذر نفسه وذاته، ذلك أن Nation بمعنى أمة، و nationalism بمعنى قومية، و nationality بمعنى جنسية. أمّا في العربية فمن جذرور مختلفة، وفروع ليست أقلّ اختلافاً.
* * *
"يفدح حريشه"، المقصود منها، بعد شيء من التحوير وقلب الأحرف، "يفضح حريمه"، و "يبدح حريشه"، المقصود منها "يذبح حريمه" أو هي تحوير أيضاً ل "يفضح"، و "يلعن مظّينك ويلعن مزّينك ويلعن ديكك ويلعن ديبك"، المقصود منها، قولاً واحداً، هو "يلعن دينك". إنها تحويرات وازدلافات تضمر رغبةً في الكفر والشتم وتحايلاً على الرقابة الدينية والاجتماعية والقانونية والعرفية.
كما ترون.. ما من رقابة إلا ويمكن الالتفاف عليها.
* * *
"سألَ" فلانٌ فلانًا، تأتي بمعنى طلبَ منه وحاسبَه، و "مَسؤول" اسم مفعول، بمعنى مطلوب منه وخاضع للمساءلة والسؤال والمحاسبة، لأنه هو المعني بالنجاح أو الفشل في مهمته. هكذا صاغ الأسلاف لغتنا العربية، ولكن المعاني ازدلفت إلى نقائضها على يد الأحفاد، فصار المسؤول هو الذي لا يتجرأ أحد على سؤاله أو محاسبته، لا بل إن المسؤول، الذي هو اسم مفعول في اللغة، انقلب في الواقع إلى اسم فاعل، فصار هو السائل والمحقِّق والجلاد والحاكم بأمره وبدون أمره.
* * *
تتعدد وتتباين دلالات مصطلح "إيجابي". فالإيجابي لدى أجهزة مخابرات الطغاة هو الذي يكون أقل من مؤيد للسلطة وأكثر من حيادي تجاهها. لكن في فحوص واختبارات الأمراض السارية مثلاً فالإيجابي كارثي، أمّا في فحص الحمل فينطوي على مفارقة حادّة، فهو فرحة كبيرة بالنسبة لمن يحلمون بطفل، وصدمة قاسية وفي منتهى الفداحة بالنسبة لعاشق وعاشقة يعيشان علاقة سرية.
لا ريب ولا جرَم ولا مشاحة ولا جدال في حقيقة أنه لا ينبغي أن يُساق الكلام خارج سياقه
* * *
- تَدَاعَى القومُ، أي تنادوا ودعا كلٌّ منهم الآخر حتى يجتمعوا من أجل أمر هامّ.
- تداعتِ الأفكارُ أو الذكريات أو المعاني، أي تنادت وتواردت وتواترت واستجرَّ بعضُها بعضاً .
- "كمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى"، أي تواصل وحضر وتضامن.
المعنى في الأمثلة السابقة له علاقة بالتنادي والاستدعاء والاجتماع.
طيب ما علاقة ذلك بقولنا "إن هذا البناء يتداعى"، بمعنى يتصدّع ويوشك على الانهيار والسقوط؟
بشيء من الاجتهاد والخيال يمكننا إدراك غنى العربية بالاستعارات والكنايات والمجازات عموماً، وعلى هذا الأساس، تصوَّر أحدهم بيتاً قديماً موشكاً على السقوط، فقال "إنه يتداعى"، بمعنى أن جدرانه تتنادى ويدعو بعضها بعضاً، فإذا تلاقت واجتمعت فقد سقطت وتكوَّمت وصارت خراباً. ألا إن بعض الدعوات والتداعيات والاستدعاءات ينطوي على تشريف وإعزاز وتكريم، وبعضها ينطوي على بؤس وإذلال وتحطيم.
