منذ نشأتها، لم تكن هوليوود مجرد فضاء للترفيه، بل كانت مصنعاً للسرديات، يعيد تشكيل التاريخ وفقاً لعدسة الكاميرا ومصالح النفوذ. في قلب هذه الصناعة، نشأت علاقة معقدة بين هوليوود وإسرائيل، علاقة تجاوزت حدود الفنّ لتصبح جزءاً من مشروع سياسي وثقافي طويل الأمد، حيث لا يُختزل الأمر في تمثيل سياسي أو دعم مالي، بل يتجذر في الطريقة التي تُصاغ بها الحكايات، وتوزّع فيها الأدوار، وتُرسم فيها حدود الخير والشرّ.
منذ بدايات السينما الأميركية، كانت فلسطين غائبة عن الشاشة، ليس لأنها غير موجودة، بل لأن وجودها كان يُهدد سردية استعمارية تتطلب أرضاً بلا شعب. في المقابل، ظهرت إسرائيل كامتداد للبطولة الغربية، مشروع تحرّر أبيض في أرض شرقية، حيث يُعاد إنتاج الأسطورة التوراتية بلغة الحداثة البصرية. هذا التحيّز لم يكن مجرد صدفة سردية، بل نتاج تحالفات بين منتجين نافذين ومراكز دعم المشروع الصهيوني، حيث تحوّلت الكاميرا إلى أداة تطبيع، تُعيد تشكيل التاريخ وفقاً لرؤية أحادية.
وثّق المؤرخان توني شو وجيوارا غودمان في كتابهما المشترك «هوليوود وإسرائيل: تاريخ» (2022)، والذي يعتمد على أرشيفات وطنية ودولية، كيف لعبت الجالية اليهودية دوراً رئيسياً في صناعة السينما في كاليفورنيا، وكيف استُخدمت الدعاية الإسرائيلية «هاسبارا»، لترويج صورة إسرائيل كديمقراطية متعددة الأعراق تدافع عن نفسها ضد جحافل الإرهابيين. بحسب المؤلفين: «لطالما كانت هوليوود محور الاهتمام، سواء على الشاشة أو خارجها»، حيث ساهمت هذه الروابط الوثيقة في التأثير على شخصيات مثل الكاتب ليون يورس، الذي سمح للمسؤولين الإسرائيليين بإجراء تعديلات على روايته «إكسدس» (1958، «Exodus») قبل نشرها. والممثل كيرك دوغلاس، الذي عمل عن كثب مع مسؤولي الهاسبارا لإقناع وسائل الإعلام الدولية بضرورة غزو لبنان سنة 1982، والممثلة إليزابيث تايلور التي سخّرت شهرتها لصالح إسرائيل.
هذا التواطؤ لم يكن نظرياً فقط، بل تجسّد في ممارسات ميدانية. عند تصوير فيلم «سلام» (1953، «Salome») لويليام ديتيرلي، فرض حظر تجول ليلي في مدينة الناصرة، وفي السنة نفسها، استخدم فيلم «المشعوذ» («The Juggler»)، للمخرج إدراود دميتريك، بطولة كيرك دوغلاس، قرية إقرت المهجّرة، التي طُرد سكانها قبل خمس سنوات فقط، لتصوير مشاهد الناجين من المحرقة. قال المخرج وقتها «إن بناء قرية مدمرة مثل إقرت كان سيكلف ربع مليون دولار»، في اعتراف بأن الاحتلال نفسه أصبح ديكوراً سينمائياً.
أمثلة مثل هذه كثيرة، لم يتوقف الدعم طوال السنوات، وفي العصر الحديث، استمرت هذه العلاقة في الترويج المتبادل. ففي سنة 2017، قبيل حفل توزيع جوائز الأوسكار، خصصت الحكومة الإسرائيلية ميزانية مرتفعة بشكل غير معتاد للترويج لـ«علامة إسرائيل التجارية»، حيث استُخدمت ملايين الدولارات لجذب 26 من المرشحين، بمن فيهم ليوناردو دي كابريو ومات ديمون، إلى جولات سياحية فاخرة في البلاد، مع حقائب هدايا وصلت قيمتها الإجمالية إلى 200 ألف دولار، مع العلم بأن أحداً لم يذهب!

هذا الاحتكار السردي بدأ يتصدع. مع المجازر والإبادة الجماعية الحاصلة في غزّة منذ تشرين أول (أكتوبر) 2023، ظهرت أصوات داخل هوليوود ترفض التواطؤ. بيانات التضامن، انسحابات من مهرجانات، ومطالبات بإعادة تعريف الأخلاقيات الفنّية، أصبحت موقفاً سياسياً. لم تعد الشاشة مجرد مرآة، بل ساحة صراع على الرواية. في هذا السياق، يصبح تفكيك الخطاب السينمائي ضرورة، لا ترفاً نقدياً. فالمسألة لا تتعلق فقط بما يُقال، بل بكيفية القول، وبمن يُسمح له بالقول أصلاً.
منذ بداية المجزرة، شهدت هوليوود تحولاً لافتاً في خطابها العام، حيث لم يعد الحديث عن الحرب والتطهير العرقي محظوراً أو محاطاً بالتحفظات المعتادة. بل بدأ يتسلل إلى بيانات النجوم، تصريحات المخرجين، وحتى بعض النصوص السينمائية، خطاب أكثر جرأة في تسمية العنف باسمه، وأكثر استعداداً لكسر التواطؤ القديم مع السردية الإسرائيلية. فما الذي تغيّر؟ التحول لا يكمن فقط في محتوى التصريحات، بل في من يصدرها، وفي المنصات التي تتبناها. نجوم كبار، كانوا سابقاً جزءاً من آلة الترويج الصامتة، باتوا يرفضون الصمت، ويطالبون بإعادة النظر في تمثيل الفلسطينيين، وفي أخلاقيات الصناعة نفسها. هذا التصدّع في الخطاب لا يعني أن إسرائيل فقدت نفوذها داخل هوليوود، لكنه يشير إلى خسارة تدريجية لاحتكارها السردي، حيث لم تعد قادرة على التحكم الكامل في الصورة، ولا في الرواية التي تُروى للعالم.
رغم أن السلطة داخل الاستوديوهات لم تتغير، إلا أن حدة وطبيعة العلاقة بين هوليوود وإسرائيل تبدّلت. كما يقول مؤلفو الكتاب: «من الصعب ألا نستنتج، ببساطة، أن هوليوود لا تحب إسرائيل في سن السبعين بقدر ما كانت تحبها في الثلاثينيات النابضة بالحياة». وبين الحب القديم والتصدّع الجديد، تظل السينما ساحة مفتوحة، لا لحسم الرواية، بل لإعادة طرحها من جديد. هذه اللحظة قد لا تُفضي إلى تغيير جذري في البنية المؤسسية، لكنها تفتح نافذة لإعادة تعريف الحكاية، ولمساءلة اللغة البصرية التي لطالما استخدمت لتبرير الاستعمار. إنها فرصة للفنانين والنقّاد والمبرمجين لإعادة صياغة العلاقة بين الفن والسياسة، ولتحرير الشاشة من هيمنة الرواية الواحدة.
