كيف يمكن للسينما أن تُظهر الفظائع الحقيقة دون أن تنزلق إلى فرجة استعراضية أو إلى إعادة إنتاج طقوس الرعب التي يكرّسها الفضاء الرقمي؟ فيلم «صوت هند رجب» (2025) يضع هذا السؤال في صلب تجربته، محاولاً إعادة تعريف العلاقة بين الصورة والذاكرة، وبين التوثيق والتمثيل. يروي فيلم المخرجة التونسية كوثر بن هنية، واحدة من أكثر الحلقات دموية من الإبادة الجماعية التي بُثت على التلفزيون بشكل دائم وعلى مرأى من الجميع في غزّة.
كلّ شيء يبدأ من صوت هند رجب، الطفلة الفلسطينية ذات الأعوام الستّة، المحاصرة داخل سيارة مثقوبة بالرصاص وهي تحاول الفرار مع عائلتها من قصف غزة في 29 كانون الثاني/يناير 2024. في تلك اللحظات التي انتهت بمقتل عمّها وعمّتها وثلاثة من أبناء عمومتها، بقيت هند الناجية الوحيدة، تتشبّث بخيط الحياة عبر مكالمات متقطّعة مع الهلال الأحمر الفلسطيني طلباً للنجدة. تتعقّب بن هنية هذه اللحظات في فيلم يتجاوز الحدود التقليدية بين الوثائقي والروائي، مازجاً بينهما، ومستعيناً بالصوت الأصلي للطفلة. في بعض المشاهد، تُستحضر صور ولقطات حقيقية لتعيد تركيب ما جرى، فيما يظلّ السرد محصوراً داخل مركز الهلال الأحمر الفلسطيني على بُعد 83 كيلومتراً من غزة، حيث نرى المسعفين والمتطوعين في مواجهة إحباطهم وغضبهم (يجسّدهم سجى كيلاني، معتز ملحّيس، كلارا خوري، عامر حليحل).
يتتبع الفيلم، الحائز على جائزة لجنة التحكيم الكبرى في مهرجان البندقية، والذي يفتتح مهرجان الدوحة السينمائي، جهود الفريق المعقدة والدؤوبة لإنقاذها، وهي مهمة تتطلب عملاً استراتيجياً وسياسياً وميدانياً متشابكاً، مع محاولة الحفاظ على التواصل مع الفتاة وتهدئتها في حالتها المضطربة للغاية. لكن النهاية معلومة: بعد أيام، عُثر على جثمان هند بين أفراد عائلتها والمسعفين الذين مُنعوا من الوصول إليها. السيارة التي كانت تقلّها تحوّلت إلى شاهد صامت، مثقوبة بـ 335 رصاصة.
بالجمع بين الخيال والوثائقي، كما فعلت في فيلمها السابق «بنات ألفة» (2023)، تُقدم بن هنية في الفيلم صيغة هجينة للمعادلة السينمائية: الصوت بوصفه شهادة وثائقية، والصورة كإعادة بناء تخييلية. الأحداث تجري أساساً في فضاء واحد هو مركز الهلال الأحمر الفلسطيني، بينما تتكشف الدراما الحقيقية في أماكن أخرى لا نراها، بل نسمعها ونستحضرها عبر الخيال. هكذا تتوازى السرديتان: جهود فريق الإنقاذ لإنقاذ الطفلة، وما يتراءى لنا من معاناة عبر الصوت. إنّ قرار عدم عرض صور ما يحدث قرار قيّم وعقلاني، ما يميز الفيلم هو قدرته على تحويل الشكل نفسه إلى أداة مساءلة ثانية: الصوت شهادة حيّة، والصورة إعادة بناء نقدية. بهذا الأسلوب لا يكتفي الفيلم بالتعبير عن محنة الطفلة وإلحاحها، بل يطرح أيضاً أسئلة أوسع حول قدرة السينما على أن تكون شاهداً على الفظائع.
تضع كوثر بن هنية فيلمها في منطقة معقدة من خلال مزج التسجيلات الصوتية لهند رجب مع تجسيد درامي لتفاعلات مكتب الهلال الأحمر. الموظفون يسعون لإقناع الجهات المعنية بتأمين مسار آمن لسيارة الإسعاف، فيما تتكشف أمامنا شخصيات متعددة، لكل منها انفعالاتها ودوافعها: عمر الذي ينفجر غضباً لغياب الاستجابة، رنا التي تحاول مواساة الطفلة عبر الهاتف، ومهدي الذي يتمسك ببروتوكولات المساعدة غير المجدية. هكذا يضع الفيلم في صلبه مأساة الحصار وفشل منظومات الإغاثة الإنسانية في غزة.
الأحداث تدور داخل مكاتب مغلقة، حيث تلاحق الكاميرا الشخصيات بقلق، وتعمل من فضاء ضبابي أشبه بفيلم تشويق عبر الهاتف. لكن هذا ليس تشويقاً عادياً؛ فالصوت على الطرف الآخر هو صوت هند، والفيديوهات التي تظهر على شاشة الهاتف المحمول تعود لعمال الطوارئ الذين حاولوا إنقاذها، والسيارة التي نراها في النهاية هي نفسها التي احتمت بها الطفلة قبل أن تتحول إلى شاهد مثقوب بالرصاص.
أثار الفيلم جدلاً واسعاً حول أخلاقيات التمثيل الدرامي حين يُستخدم الصوت الحقيقي لضحية صغيرة. ربما ينبع هذا الجدل من أن التمثيل الروائي، بإضاءته البسيطة وصوره المكثفة، يقترب من الوثائقي، فلا يسعى إلى تجميل الرعب أو صرف النظر عنه. ومع ذلك، فإن وظيفة هذا التمثيل واضحة من جانبين: أولاً، يُجبر المشاهد على خوض القصة دون مهرب، على سماع اليأس الذي يختلط بين الضحايا والمُنقذين. ثانياً، تتحول الأسئلة الفلسفية والأخلاقية إلى دوافع وعقبات للشخصيات نفسها: أي الأرواح أثمن؟ ما المخاطر التي تستحق التضحية؟
حن نعرف القصة الحقيقية، ونعرف أن لا خلاص فيها. لكن السينما، بما فعله الفيلم، تدعونا إلى تخيّل نهاية أخرى، نهاية تُنقَذ فيها هند، وكأن الفن يفتح نافذة صغيرة للأمل وسط واقع مغلق. هنا تكمن لعبة السينما التي أتقنتها كوثر: تحويل المأساة إلى مساحة للتمني، حيث يصبح المستحيل ممكنًا ولو للحظة على الشاشة. قد يبدو الأمر معقداً، لكنه في جوهره شفاف وبسيط. الوسيلة هنا أكثر مباشرة، وأكثر وحشية بلا حدود. ليست المسألة مجرد انعكاس لبشاعة تُبث يومياً من فلسطين، بل قوة ما يتخيله الجمهور حين يُترك أمام الصوت وحده. ما يُسمع أهم مما يُرى، وما يُرى في الخلفية هو تمرين سينمائي عاطفي حتى الألم، حيث تسكن الوحوش الأكثر فحشاً ورعباً. «صوت هند رجب» فيلم لا يمكن مشاهدته دون شعور بالغضب، فيلم يُؤلم ويُوجع، عمل ضخم، لا يُطاق، لكنه ضروري.
