في القدس، قد يكون الشيء على بعد شارع منك، وعلى بعد سابع سما في الوقت نفسه. لو كنت سأترجم عنوان رواية أشرف الزغل Seven Heavens Away، لما قلت «على بعد سبع سماوات». سأقول: «على بعد سابع سما». هكذا نقولها. وهكذا تبدو المسافة في مدينة تنقلك خلال أمتار من عالم إلى آخر، ومن تعريف تختاره لنفسك إلى تعريف يفرضه عليك غيرك.

تتناول الرواية، الصادرة بالإنجليزية في فبراير 2026 عن دار هاوس أوف أنانسي في كندا، حكاية عزيز، فتى فلسطيني يعيش في القدس عام 2015، يدخل هو ومصطفى، بعد مقتل صديقهما حسن، حياة لم يكونا جاهزين لها. ما يشدني في الرواية، أكثر من تعامل مراهقين مع صدمة الموت وما يأتي بعده، هو جيل عزيز نفسه؛ جيل لا تكفي عبارة «صراع هوية» لوصفه، لأنها عبارة مرتبة بعناية، والحياة في القدس ليست مرتبة إلى هذا الحد.
يدفع الضغط المادي المتراكم على العائلات في القدس أولادا في السادسة عشرة والسابعة عشرة إلى العمل في مقاهي القدس الغربية ومطاعمها ومحلاتها، داخل السوق الإسرائيلي. فيلبس الفتى ملابس موظف، يعرف موعد ورديته، يقبض راتبا، يدفع مصروفه، ويضع جزءا منه في البيت، فيبدو رجلا لأنه يعمل، لكنه ليس رجلا بعد. هو طفل في ملابس موظف. وحين يعبر الشارع، حرفيا، إلى القدس الغربية، يتغير العالم. في مكان العمل، هو العامل العربي، لنسمه أحمد، الذي يعرف ماكينة القهوة، ويغطي وردية زميلته، وتشكو له من المدير ويشكو لها منه، ويضحكان على الزبون نفسه. ثم ينقلب الوضع السياسي، وهذا في القدس قد يحدث خلال ساعات، فيعود أحمد، زميل ماكينة القهوة قبل قليل، فلسطينيا مشتبها به ومخربا محتملا ينبغي أن تراقب يداه. لم يسافر من بلد إلى بلد. عبر شارعا فقط.
روائية وليست إرهابية: نجوم يساندون سالي روني في قضية "فلسطين أكشن"
وهنا لا تكون السلطة في البندقية وحدها. السلطة تكمن فيمن يستطيع أن ينتقل من مكان العمل إلى الشارع ويبقى الشخص نفسه، ومن يتغير تعريفه بمجرد خروجه من الباب. زميلك الإسرائيلي يستطيع أن يعود إلى حياته من غير أن يشرح وجوده، بينما تعود أنت إلى حي قد تتغير قواعد الوصول إليه قبل انتهاء ورديتك. الزميلة التي وقفت إلى جانبك طوال الصباح هي، في مكان آخر، جزء من المنظومة التي تفتشك أو تمنعك أو تحمل السلاح في وجهك. العلاقة اليومية لم تكن وهما، لكن «الطبيعية» و«العادية» هي الوهم. ليس الاستعمار بحاجة إلى إلغاء الاحتكاك الإنساني؛ يكفيه أن يحدد من يملك القوة حين ينتهي الاحتكاك.
ومن داخل هذا الاختلال يأتي عزيز. مراهق ينجذب إلى دفنا، فتاة في عمره، وهذا شيء لا يحتاج في الأصل إلى تفسير سياسي. لو كان في مكان آخر، لكانت مشكلته أن يعرف إن كانت تحبه، أو ينتظر رسالة منها، أو يقول شيئا غبيا ثم يعيده في رأسه طوال الليل. لكن الفلسطيني لا يملك دائما رفاهية أن تبقى مشاعره بهذا الحجم. ولا أريد أن أقرأ علاقته بدفنا بوصفها «حبا ممنوعا»، لأن هذا يمنحها رومانسية لا تحتملها. المشكلة ليست أن السياسة تقف خارج العلاقة وتمنع حبيبين من الوصول إلى بعضهما. السياسة موجودة داخل العلاقة منذ البداية، في حق الحركة، وفي السلاح، وفي الأمان، وفي قدرة طرف على العودة إلى حياته الطبيعية، بينما لا يستطيع الآخر أن يخلع موقعه السياسي حتى حين يخلع مريلة العمل.
لهذا لا تدخل دفنا إلى حياة عزيز وحدها. تدخل معها السلطة التي يحملها موقعها حتى حين لا تتعمد استعمالها. وهذه نقطة مهمة في علاقة المستعمِر بالمستعمَر: لا يشترط اختلال القوة أن يكون الفرد قاسيا أو شريرا كي يبقى قائما. قد تكون دفنا لطيفة، وقد تكون مشاعرها صادقة، ولا يغير هذا شيئا من موقع عزيز في نظام تقف هي في جانبه الأقوى. أحدهما يستطيع أن ينسى السياسة للحظة. الآخر يدفع ثمن نسيانها. وهذه وحدها كافية لتجعل العلاقة غير متساوية قبل أن يبدأ سؤال الحب أصلا.
بعد مقتل حسن، يصبح هذا الفرق أثقل. مشاعر عزيز حقيقية، لكن حقيقتها لا تعيد صديقه، ولا تعزل دفنا عن العالم الذي يقف خلفها. حيرته ليست مجرد عار من انجذابه إلى فتاة من الجهة التي جاء منها قاتل حسن. إنها حيرة من يكتشف أن أكثر ما يخصه شخصيا ليس ملكه بالكامل. حتى رغبته دخلتها القوة. حتى انجذابه صار عليه أن يفتشه قبل أن يثق به. وهنا يظهر شكل آخر من أشكال الاستلاب: إذ يتحول السؤال من «ماذا أشعر؟» إلى «من صنع الشروط التي أشعر داخلها، ومن يملك أن ينسى هذه الشروط؟».
والسلاح موجود في العلاقة حتى حين لا يظهر في يد أحد. صحيح أنه قد لا يحول دفنا آليا إلى جندية في كل لحظة، لكنه يوزع القوة بينهما مسبقا. عزيز يعرف أي جسد سيخضع للتفتيش، واسم من مشتبه به واسم من لا، وأي طرف سيغادر المشهد مثل شعرة من العجين، ومن سيدفع الثمن. لذلك لا يمكن أن تقرأ العلاقة على أنها جسر أو مساحة خلاص. إنها واحدة من الطرق التي تكشف بها الرواية كيف تصل السيطرة الاستعمارية إلى أخص ما في الإنسان، إلى المكان الذي يفترض ألا يحتاج فيه مراهق إلى تصريح كي يحب.
وموت حسن لا يثقل علاقة عزيز بدفنا وحدها. يتحول معه الخوف إلى موقف، والصداقة إلى ولاء ينبغي الدفاع عنه، والحزن شأنا عاما. فحسن يصير شهيدا ورمزا ومعنى، بينما عزيز ما زال يريد صديقه. مصطفى يجد إجابات واضحة. عزيز لا يجد. وهذا من أكثر ما يهم في الشخصية. وعيه ما زال يتشكل في لحظة فقد باهظة، والعالم يطالبه بوضوح حاد الزوايا كأنه ولد أيقونة مكتملة. الرواية تضعه أمامنا، ولدا في الخامسة عشرة، حائرا متعثرا. لسان حالها يقول: من حقه أن يتعثر، ويخاف، ويختار خطأ، ويشعر بالعار، ويغير رأيه. فالفلسطيني في الخامسة عشرة ولد في الخامسة عشرة، مثل أي ولد آخر. لا يولد «فرخ إرهابي» ينبغي التخلص منه قبل أن يكبر، كما يريد المستوطن المتطرف أن يراه، ولا يولد «فرخ بطل» يعرف مسبقا كيف يقاوم، وكيف يحزن، ومن يحب، ومن يكره، ومتى يغضب، ومتى يصمت. ولهذا لا يمكن أن نطالبه بموقف مكتمل في عمر لا يعرف فيه معظم البشر ماذا يريدون من حياتهم. والرواية تتركه كذلك، خائفا مترددا. لا تدفعه إلى حكمة لا يملكها، ولا إلى بطولة جاهزة. وهنا تحديدا تظهر أقسى طبقاتها: الكلفة النفسية لحياة لا يستطيع فيها العمر أن يبقى مجرد عمر. فالفلسطيني يدفع ثمن ما يحدث له، ويدفع فوقه ثمن ما يمنع من أن يحدث له بصورة عادية: طفولة، مراهقة، انجذاب، خطأ لا يتحول فور وقوعه إلى سؤال في الهوية والولاء والبقاء.
ثم تظهر كندا احتمالا للنجاة. تبحث والدة عزيز عن طريق يخرجه من المكان إلى حياة أخرى ممكنة، لكن الرحيل ليس حلا نظيفا. أن تنجو قد يعني أن تترك القدس، وأن تترك القدس لا يعني أن القدس تتركك.
ربما لهذا يبدو وصول هذه الرواية بالذات إلى القائمة القصيرة لجائزة رايترز ترست للرواية، أعرق جوائز الرواية والقصة في كندا، في 23 سبتمبر، أكبر من مجرد خبر نهنئ الكاتب عليه. إنها رواية تحمل هشاشة واقع تتعرض فيه الهوية للاستلاب والانتهاك والحرث ليل نهار بلا حسيب ولا رقيب. ولن نحمل وصول الرواية بهرج خطابات «الاعتراف»، أو نقرأ الجائزة بيانا سياسيا. فالأهم أبسط من ذلك بكثير: ثمة لجنة قرأت رواية، وتوقفت عند بنائها وصوتها وتفاصيلها، ووصفت ما فيها من «حنان داخل محيط قاس وخطر». وصلت «على بعد سابع سما» إلى القائمة القصيرة وفي قلبها فتى يحاول أن يلحق بعمره؛ عمر بدأ الاحتلال بمصادرته باكرا، قبل أن يفهم عزيز تماما أين ولد، وما الذي يعنيه أن يولد هناك، ولماذا قد تضطر أمه يوما إلى البحث له عن نجاة في سماء أبعد.
أشرف الزغل هو شاعر وروائي فلسطيني كندي ولد وتربى في القدس ويعيش في تورنتو. أصدر أربع مجموعات شعرية بالعربية، وترجمت أعماله إلى الإنجليزية والفرنسية. يحمل درجة MFA في الكتابة الإبداعية من جامعة بريتيش كولومبيا، وصدرت روايته الأولى Seven Heavens Away عن دار هاوس أوف أنانسي في فبراير 2026. أما جائزة رايترز ترست للرواية، فهي من أعرق الجوائز الأدبية الكندية، وهي جائزة سنوية تقدمها مؤسسة رايترز ترست لأفضل رواية أو مجموعة قصصية كندية. تحمل اسمي مارغريت آتوود وغرايم غيبسون، من مؤسسي رايترز ترست. تبلغ قيمتها 70 ألف دولار كندي للفائز، ويحصل كل واحد من بقية المرشحين في القائمة القصيرة على 7,500 دولار. اختارت لجنة 2026، المؤلفة من ديفيد تشارياندي وكونور كير وكاثلين وينتر، خمسة أعمال من 118 عنوانا تمثل 62 دار نشر كندية. أعلنت القائمة القصيرة في 23 سبتمبر، ويعلن الفائز في 10 نوفمبر 2026.
إلفريده يلينيك صاحبة نوبل للأدب تخشى من احتمال التطهير العرقي للفلسطينيين
