"تعرف الشرطة الإسرائيلية أن كمال دخل السجن في أميركا، لكنها لا تعرف أن ابنه مات في البحر". بهذه الجملة يضع فيلم «حوار مع البحر» للمخرج الفلسطيني مؤيد عليان، دولة الكيان أمامنا: ذاكرة دقيقة حين تبحث عن تهمة، وثقب كبير حين يتعلق الأمر بوجع فلسطيني. غاب وائل عشرين عاما وابتلعه البحر، تاركا خلفه أما وأختا تقبضان على يقين بالكاد يكفيهما للحزن، وشكّ يكفي لإبقاء الباب مواربا عند والده، حين يظهر ساعي بريد حاملا مطالبة مالية بديون لا تراكمها الجثث عادة. ترى السجلات الرسمية وائل حيا بالقدر الذي يسمح بتحصيل المال من أبيه، أما فيما يخص موته، فذاك إجراء منفصل يحتاج إلى ورقة تثبته. لا يهم ما تقوله رواية أهله الذين دفنوه بأياديهم، فالمؤسسة تريد وثيقة، ومن دونها، سيظل وائل صالحا للجباية. انطلاقا من هذه السخرية السوداء يفتح الفيلم سؤاله الأشد قسوة: أن تعاني الأمرين لتثبت ولادة ابنك كمقدسيّ، أبسط من أن تحصل اعترافا يضمن لك سلامه في قبره، حين يتعلق الأمر بفواتير الجباية.
تركض الكاميرا المحمولة خلف كمال، بطل الفيلم، ويمثل دوره الفنان الفلسطيني كامل الباشا، في القدس، كأن المدينة والرجل تأخرا معا عن موعد سريّ. يتحرك كمال طوال الفيلم بلا اطمئنان لأي تفصيل، أو صوت، أو حركة. فيظهر التردد كشبح في وقفته عند الأبواب، وفي قراءته نبرة محدثيه، وفي انقضاضه للدفاع عن نفسه قبل أن يسمع التهمة. بعد عقود من استنزاف وإنهاك المقدسيين، لم تعد السلطة الاسرائيلية في القدس بحاجة دائما إلى حاجز فيزيائي. صار كافيا أن تراقب الحاجز يتلبس الجسد: في طريقة الوقوف، وحساب المسافة بينك وبين من يخاطبك، وفي محاولتك أن تتصرف بطبيعية حين تعرف موقعك في أي مكان قبل أن تدخل. حتى ذاكرة كمال نفسها تتحرك بهذه العصبية. يعثر كمال في أحد مشهد من مشاهد الفيلم على فيديو لعيد ميلاد وفاء الطفلة، لتحاصره هذه الذكرى وتطارده طوال الفيلم. تتراقص الكاميرا في الفيديو وفي رأس كمال، وتنعكس كأن الماضي لا يعرف أين يضع وائل، أو يخشى أن يضعه في مكان نهائي. ولا تهدأ عصبية الكاميرا في استحضار الذكرى إلا بعد أن يرى كمال القبر ويصدق. بعدها تعود صور الأولاد وهم يلعبون في البلدة القديمة أكثر هدوءا ووضوحا وثباتا. كأنما هبط ملاك على الذاكرة فملأها استكانة راضية. الذكرى هي ذاتها، إلا أن استطاعة الأب التعامل معها والنظر إليها هي التي تغيرت. ونرى القبر يغلق منفذ الشك الصغير الذي كان اضطراب الصورة يتركه مفتوحا قليلا لوائل، فيعود منه.
بمرور موكب المشيعين حاملين الصليب، يتسلل الرثاء موجعا إلى روح كامل مع انسياب كلمات الترنيمة: «وا حبيبي، وا حبيبي، أي حال أنت فيه». ويختلط في بكائه المكلوم رثاؤه لحاله برثائه لابنه الفقيد. كأنها لحظة الهزيمة الأشد عليه، فهنا، يذوب ما بقي من فرق بين جثة مشوهة الملامح لا أحد يصدقها، وروح مشوهة من الداخل تحمل جروحها ندوبا مؤسسية في كل خطوة. من يرثي من؟ «أي حال أنت فيه؟» هو السؤال الذي لا يجرؤ أن يطرحه على نفسه. أهل الموكب يعرفون اتجاههم، ويملكون طقسا يحمل حزنهم إلى نهايته، أما هو فيمشي بينهم حاملا على ظهره ثقل جثة لا يمكنه تصديقها، من دون أن يملك لحظة يستطيع بعدها أن يقول إن الانتظار انتهى. عندها ينهار؛ انهيار رجل اكتشف أن كل ما عاد من أجله صار في جهة أخرى: الابن في جهة الموت، والابنة لا تريد سماع كلمة «أبوكي»، والقريب والجار والبعيد يحملون عتبا أكبر من أن تنصفه نظرات أو كلمات. لا أحد، ولا قصة، ولا ولد، ولا بلد. من قاع هذه الهزيمة يتصل كامل بمروان. هزيمة شعوره أنه حتى البيت ذاته، لا يريده هو أيضا.
هناك، بين الموكب والمكالمة، يقول الفيلم الكثير عن تهجير الفلسطينيين في القدس. اقتلاع يتم ببطء؛ فاتورة وراء فاتورة ومعاملة بعد أخرى، فيصبح اليومي عقابا يعتاده المقدسيّ بمرار لا يعرفه غيره. وبين حكومة تضيق عليه سبل عيشه وبلدية تستهلك أعصابه، وسياسة تمعن بمصادرة القليل الذي يملكه، يظهر مروان في اللحظة المناسبة حاملا المال ووعدا بحياة فيها الكلأ والخضرة والوجه الحسن، غير مدرك أنها مغريات لا تعني شيئا لروح أثخنها حداد مؤجل، وأثقلها حمل لم تعد قادرة عليه.
تعمل صناديق الاستيطان والحكومة في مساحة تسمح لكل طرف بأن ينكر ما يفعله الآخر لتيسير مآربه، فيما تصل النتيجة إلى السجل العقاري واضحة: بيت عربي آخر يشطب من القائمة. حياة أشبه بلعبة قط وفأر، والبيت في القدس هو الفأر دائما. يبدأ التسريب قبل توقيع العقد بوقت طويل، حين تنجح المدينة في إقناع أصحابها واحدا فآخر، بأن الرحيل نابع من قراره هو، فيتوهم أن البيع آخر سلطة بقيت له على حياته. هنا يشتري مروان المدينة هزيمة تلو هزيمة، كلما استوت احداها على تلك النار الهادئة، هبط مصورا حلا يخرج صاحبها من ضنكه. الضنك ذاته الذي تطبخه له أذرع المحتل بكل أطوالها وأشكالها، كل يوم، وتتم هندسته بهدوء شيطاني تحت أقدام فلسطينيي المدينة.
وحين "يستوي عدس" كمال، ويطلب رقم مروان على لوحة أزرار هاتفه، يكون قد وصل محملا بهزيمة أقدم من هزيمة فقدان ابنه. فقد استدان الرجل من القريب والبعيد وذهب إلى أميركا بحثا عن فرصة تنتشل عائلته من ضيق العيش في القدس. خرج حاملا وعدا أكبر منه، فابتلعته كذبة الحلم الأميركي. تشرد وجاع وفشل، وبعد الفشل كبلته سلاسل الخزي جاعلة فكرة رجوعه خالي اليدين أثقل من بقائه بعيدا. سلاسل حولت الأشهر إلى سنوات استطالت محولة فشله عذرا ظل يكرره لنفسه إلى أن لم يعد بإمكانه استيعاب حجم الهوة التي صنعها عجزه عن مواجهة هزيمته.
وحين تسأله ابنته: «كيف لقيت رقم تلفوني؟»، فهي تسأله عن حقه في العودة من أصله. ولا تعود كلمة "أنا أبوكي" صالحة كبطاقة دخول بلا صلاحية انتهاء، فتقف الكلمة على الباب بلا حياة تسندها. حتى استخدام الكلمة للنداء، يبدو لكمال كأنه سكين يشق صدر ابنته. ولا يفهم بعد إن كان غيابه يستحق فعلا كل هذا الغضب والنكران.
ولا تحل أحجية ذلك الغضب إلا حين يضع مروان القطعة الناقصة فيها، كاشفا بغروره كيف ضغط على زوجة كمال وابنته، وكيف استغل الفراغ الذي تركه الأب بانحطاطه. عندها فقط يفهم كمال غضب ابنته ويكتشف أن فشله سبقه إلى القدس ودمر عائلته، فيضرب مروان كأنما يضرب ذاته التي سمحت بكل هذا.
"إدوارد سعيد: بين عالمين": إرث المفكر الفلسطيني في مهرجاني تورونتو ونيويورك السينمائيين
الفيلم كله فواتير ديون متراكمة، إذ لا تقف مديونية كامل بالمطالبة المالية أو ما للناس عليه. فما إن ينفتح دفتر الديون المالية حتى تندلق دفاتر ديون أخرى؛ وينتبه بعد رحلة البحث عن خيط يدله على موت ابنه، أن دين ابنه للحكومة على ظلمه، هو الأهون. فدينه لإبنته، ودينه لزوجته، أكبر من مطالبة مالية يمكن تسديدها والخلاص منها. وهو حين يقول كلمة "آسف" لإبنته، يعترف لها بفاتورة ظنت أنه لن يعرف حجم دينه فيها أبدا، فاتورة أضاع عبرها طفولة ابنته ونقاء آمالها فيها إلى غير رجعة.
وبالقرب من هذا الجرح تقف بيسان، الشاهدة الوحيدة، حين تصحوا ذكرى خبأتها في صناديق الماضي بمجرد وقوف كمال بباب بيتها. ويصحو خوفها القديم من أهلها ومن كلام الناس ومن تحميلها مسؤولية موت وائل. يضيق الاحتلال الحياة خارج البيت، ويكمل المجتمع الدائرة من داخله. وحين ننظر للمشهد عبر هذه العدسة، لا تعود تفصيلة قيامها بإخفاء بطاقة هويته طوال عقدين ذنبا يحمله أحد ضدها.
يتعمد الفيلم عدم تصوير الفلسطينيين كضحايا طاهرين، فتكشفهم العدسة وهم يورثون بعضهم الخوف، ويحمّلون الأضعف ثمن الأسرار، فيصلون دائما بعد أن تصبح الخسارة أكبر بكثير من الأسف.
وفي الجهة الأخرى، لا يقدم الفيلم المجتمع الإسرائيلي كتلة واحدة، وهذا ما يجعل صورته أكثر إدانة. فصاحبة العقار ليست جندية، لكنها تتعامل مع كمال كما لو أنها تقف على حاجز: تسأل بنبرة آمرة، وهو ينصاع. لا شيء في القانون يمنحها سلطة أخذ هويته أو تصويره، لكن جسده تدرب على أن ينصاع لفعل الأمر ذاته دون تفكير: أعطني هويتك. ويظهر الفيلم هنا كيف يخرج الجندي من ثكنته ويستقر في جسد المواطن الإسرائيلي كذلك.
ويقدم آمنون، الأكاديمي "غير المتطرف"، نسخة أكثر نعومة من العلاقة نفسها؛ فنراه يدعو العربي إلى بيته ثم لا يجلسه إلى المائدة مع ضيوفه. تحتاج صورته المنفتحة وجود كمال لكن ليس بالقدر الذي يجعله يجلسه معه على مستوى واحد. وهذا ما يلتقطه جسد كمال قبل أن يدخل حتى، فيغلبه تردده، ويحاول الرفض. وعلى المائدة يتحدث أمنون عن «النبيذ الإسرائيلي»، ومنه النبيذ الذي كانت غزة تنتجه قبل وجود إسرائيل بمئات السنين. يمحو ويغير بتاريخ الرجل وهو جالس يسمعه. ثم يستدعي كلمات قالها محمود درويش بالطريقة نفسها، فيقلبها بقدرة قادر إلى شاهد على ثقافته، محولا المعنى إلى اعتراف بأن إسرائيل هي دائما مركز الاهتمام. حتى حين يكتب الفلسطيني تجربته، يغير الإسرائيلي تفسير ما كتب ليصير على هواه بكل أريحية. يستفز الهدوء الذي يتحدث به أمنون كأفعى، نرجسية تتفوق على ذاتها في هذا المشهد: أن تقرأ كلمات الرجل الذي فقد بلاده، وتتشدق مقتنعا بأنه يشيد بك.
أديل إينيل على الهواء إلى الفرنسيين: افرضوا عقوبات على إسرائيل وحرروا فلسطين
أما الرجل المتطرف الذي يطرد كمال ويهينه ويسب ابنه، فهو مرآة للشخصيات كلها مجتمعة. فهو يقول ما تقوله صاحبة العقار بصوتها العالي، وما يقوله أمنون بهسهسة الخبث الأكاديمي وبترتيب المقاعد، وما يقوله الجنود صغار السن حين يركبون المواصلات بأسلحة أكبر من أعمارهم. ثم تأتي عناة، الوافدة قبل تسع سنوات وتتحدث إليه بثقة صاحبة البلاد، بينما يقف هو ابن القدس وصاحب المكان مرتبكا عند الباب.
حتى في المقبرة يقول له مراق طريق أن لديه تربة ذات موقع استراتيجي، أمام بوابة الآخرة مباشرة: ستدخلون الآخرة أول ناس. وهكذا لا يترك الفيلم تفصيلا في وجع المقدسي، حتى فكرة "حسده" على قبره بحد ذاتها، إلا ويمر بها ويتأمل أثر ندبتها قليلا. بينما لا يسع الأحياء ضمان غرفة أو حجر في المدينة التي تتم مصادرتها عتبة عتبة ونافذة نافذة كل يوم، يحصل الميت أول على آخر، على قطعة أرض لا يهدده فيها إيجار ولا بلدية ولا صندوق استيطاني. القبر هو ملكيته المستقرة الوحيدة في أرضه حتى يوم الآخرة. والمفارقة موجعة إلى حد السريالية هنا: فالآخرة أضمن من الدنيا، والميت أوثق صلة بالقدس من حيّ قد تصله في الصباح ورقة تخبره أنه فقد ملكيته للمكان الذي عاش عمره كله فيه.
في النهاية يغادر كمال. يغادر البلاد ويغادر الحياة التي حاول متأخرا أن يعود إليها، فلا تتوقف المدينة لتودعه. أمام بحر آخر، يجلس الأب الذي أمضى رحلته باحثا عن ابنه الميت، قرب ابنة حية نسي كيف يبحث عنها. تراقب الكاميرا انغماس كل منهما في هزائمه وحده، قريبين بما يكفي لألا يتلامسا. فلا رأب لصدع بهذه الفداحة. ما فقد لن يعود ولن يشفع فيه انتظار. وتظل الكاميرا ثابتة عليهما من الخلف: البحر أمامهما، والحياة بكل تعقيدها وألمها وراءهما.
ويختفي كمال، لتبقى وفاء مع البحر، بينما ينضج كعك يخبزه غيره، في صباح جديد.
سوزان ساراندون: تغيرت سردية الأهمية التاريخية لفلسطين وعلاقات الصهاينة بأميركا
