أدينُ بذاكرتي القصصية لستي فوزية البغدادي .. كنتُ مُقبلاً على السماع منها لكل ما تسرده من مرويات عائلية، وقروية، وأساطير، وما يُشبه الوحي من طفولتها بإقبالَ شغوفين.
حملت هي إرثاً من الحكايات كان كفيلاً بإغراق مخيلتي الطفولية بنظرات انبهار ساذجة، وثغر مفتوح طلباً للمزيد من القص.
فيما كانت هي معتزة بقصة كفاحها في تربية أمي وخالتي وحيدة تماماً، وكان عمر أكبرهم لا يتجاوز عاماً، بالضالين والستر الإلهي.
كانت تُكرر عليّ حكاية سنوات البرد والرماد، التي عاشوها في غرفة وحيدة على سطح بيت عائلي، فوق سرير نحاس وكنبة إسطنبولي صامدة أمام السوس والزمن، يستقبلون قطرات المطر المتساقطة بصبر الأولين.
وكان كلما عزت عليها نفسها أثناء سردها المنطلق، تكسر ظلامية الحكاية بكوبليه غنائي لأم كلثوم من مرثية - فات الميعاد –
تُرتلها برعشة وبحة صوتية مُتقنة بالأسى قائله :
" وقسوة التنهيد والوحدة والتسهيد، لسه مهمش بعيد، وعايزنا نرجع زي زمان.. قول للزمان ارجع يا زمان "
وكنتُ أنا أكسر هذه المروية المكررة التي أحفظها عن ظهر قلب - بما فيها من مشاعر الانكسار- بالسؤال عن الإنجليز:
هل دخلوا ميت خميس يوماً؟
أين كانت تتمركز المقاومة؟
هل كانت على جسر البحر أم في مصنع الطوب المهجور؟
ومن من عائلات القرية شارك في المقاومة؟
وفيما كانت تُصر هي ، بلا ملل، على أنها لم تشاهد إنجليزاً في بلدتنا
وأنها من مواليد عام النكبة، كنت أحاول أنا أن أستنطقها - بالعافية والزَن - بضرورة تذكر حكايات الاحتلال الإنجليزي.
كنت وقتها في المرحلة الابتدائية، ومتعلقاً بمسلسل – زيزينيا - على غير عادة طفل في مثل عمري.
كنت منبهراً بشخصية الست - نعيمة مرسال - التي قامت بأدائها الفنانة فردوس عبد الحميد، كونها شخصية قيادية في المقاومة ضد الإنجليز، تساعد – إبراهيم الطوبجي - الفنان أشرف عبد الغفور .
ولفضيلة شبه الطُرح وإيشاربات الشعر المزركشة التي كانت تعتمرها نعيمة مرسال
في المسلسل، بطُرح شعر ستي فوزية، تعزز هذا في مخيلتي الطفولية أن ستي فوزية تخفي سراً عن الإنجليز.
كما تخفي الست نعيمة - كاب العسكري الإنجليزي - في دولابها، على حسب ما أذكر أو كنت أعتقد .
وهو الكاب الإنجليزي الشهير – الزيتي أبو زَعرورة حمراء -
وبعد انتهاء إحدى الحلقات، وانشغال ستي بتسخين اللبن على البوتاجاز قبل نشرة التاسعة على القناة الأولى -التي كانت تأتي هذه الأيام بلون سنوات فتحي سرور ولمعة جلسات مجلس الشعب البنية- عدتُ لأجدها قد وضعت اللبن، بينما كنت قد فتحت دولابها الحديدي القديم وألقيت بكل ملابسها أرضاً..
أبحث عن الكاب العسكري الإنجليزي المخبأ بعناية، كما في المسلسل، لأجبرها على كشف سر الإنجليز في ميت خميس.
كادت تُسقط كوب اللبن -الذي لم أحبه يوماً- من الضحك، وهي تقول:
-أنت دماغك مريحاك يا ابن بنتي”
جلسنا أرضاً نرتب مرة أخرى عباءات من قماش الفُسكس المزركش، وحريرها الأسود، وطرحاتها البيضاء التي اعتمدتها منذ عودتها من حجة 1993، ونضع صابون ماركة “صَن” بين الملابس، إعمالاً ببركة الرائحة والإنتعاش عند ارتدائها.
كنت أُقسم بالدبدبة في الأرض، ويقين طفولي، أن هناك كاباً إنجليزياً وحكاية مخبأة في الدولاب.
أعلنت هي للمرة الألف أنها لم تشهد إنجليزاً ولا يحزنون في بلدنا.
فسألتها بلهجة محققين صغار:
احلفي إن مفيش طاقية عسكري إنجليزي!
فردت، بزَهق وطلوع روح ونفاد صبر:
-ولااا يا خانكة أنت!
ثم أبت إلا أن تُرضي هطلي الطفولي، فبدأت بسرد ما حدث في المنصورة بين عامي 1967 و1973، وتحديداً صوت الطيران الذي كان يكسر جدار الصوت، ويثير الهلع والقلق بسبب قاعدة “شاوه” الجوية القريبة من قريتنا، وهجمات الاحتلال عليها في حرب أكتوبر، في معركة المنصورة الجوية الشهيرة.
وحكت لي كيف أن “الزهرة الزرقاء” التي كانت تُستعمل للغسيل اليدوي، راج سوقها لدهان الشبابيك بها، منعاً لتسرب ضوء قد يرصد من الطيران، فتتعرض بيوت البلدة للقصف.
وأنها بعد أيام النكسة كانت تحمل صينية طعام مصنوع بحب أيام الأبيض والأسود، بزبدة بلدية وبيض الفراخ، وشمس كاملة من الهزيمة وصوت عبد الحليم حافظ في أغنية -عدى النهار -
وتضرب الطريق وحيدة بـ”زنوبة” جلد مشققة، تمشي بين مجاهل الزرع والطين قرابة العشرة كيلومترات ذهاباً، من قريتنا إلى القاعدة الجوية في منطقة – شاوه -، لتوزيع الطعام على الجنود وحرس القاعدة.
وتعود، مرضية الضمير، قبل زرقة المغرب الكئيبة في تلك الأيام.
وأنها كانت تردد أغنية داعمة للرئيس الراحل جمال عبد الناصر، تقطع سرد الحكاية وهي تسند ظهرها على الكومدينو الخشبي الأصفر، وتلحنها لي بصوتها المكبل بالبحة الجذابة:
“الشعب كله جمال.. واللي يحب جمال يلاقي النور في بلادنا.. والأرض دي أرضنا والشعب دا شعبنا.. وضرب النار أحسن من الاستعمار في بلادنا”.
كانت تُطيل في – بلادنا - الأخيرة، وتُنهيها بهاء غريبة القصد النحوي، لكنها عظيمة الأثر الشعوري.
أبرقت عيني بابتسامة ساخرة، ونظرة متفحصة كمن اكتشف “المستخبي”، ولسان حالي يقول:
اعترفتِ!
وحفظتُ فقرة أغنية عبد الناصر هذه بحرص متوتر.
وفي اليوم التالي في مدرسة الشهيد خالد الطوخي، أكلت رأس صديق أيامي القديمة أحمد حجازي بحكاية ستي مع قاعدة شاوه، وتوزيعها الأكل على العساكر أيام الاحتلال، وأنها تحمل بطولة توازي بطولات نعيمة مرسال في زيزينيا.
لم تُخفِ ستي فوزية في دولابها سوى عباءات الفُسكس، ورائحة البال الرائق، والزمن الحلو، وندمها أنها لم تكمل تعليمها في الابتدائية، وكل أغاني أم كلثوم التي حفظتها بالوحدة وكرامة الإنصات.
كان دولابها بلا كاب عسكري إنجليزي، ولا بطولات معلّقة، ولا كاميرا نعيمة، ولا إنصات الأستاذ أسامة أنور عكاشة.
كانت ستي فوزية بطلتِي الجميلة، بأداء حياة فريد ناطح الدنيا وشقائها.
وصينية الطعام التي حملتها بالنية الطيبة إلى قاعدة شاوه الجوية، وكل حكاياتها تحت ضوء اللمبة الجاز في أيام انقطاع الكهرباء، كانت البطولة المطلقة التي أحفظها لها حباً ما حييت.
هي بطلة كل حكاياتي التي تراكمت فيّ، ومن ربت خيالي الصوتي والبصري بتكنيك سردها العفوي.
لم تكن تعلم أنه في جلساتنا على المصطبة أمام ترعة أم الجلاجل، في جريانها وجفافها، كانت تُشكّلني وتحمّلني من روحها الطيبة، كي أكتب بعد كل هذه السنين.
