Author Name

مجلة ثقافية فلسطينية

للكاتب/ة

سنعرف كيف اقتلعوا الأسنان الذهبية من أفواه الغجر، وصهروها ليرسموا هالاتِ القدّيسين. لكنّ الغفران لن يأتي إذا انتظرته. سيحلّ بغتة، وينفخ على ورقةِ اللبلاب اليابسة بين ضلوعك، لترى العالمَ الآخر هذا العالمَ الذي يحيط بنا ولا نراه. 

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

06/04/2026

تصوير: اسماء الغول

جولان حاجي

مجلة ثقافية فلسطينية

جولان حاجي

مقيم في فرنسا

بعد الأحمر المخيف للصباح الباكر

مَن سمّى الممحاة مزيل الكلمات؟ لماذا وافقتُ؟ آه يا ربّ! أتنهّد وأنا وحدي، ناظراً إلى صور الصحفيين المطبوعة فوق مقالاتهم في الصحيفة. التقيتُ صحفياً فحصّنتُ بالكتمان ضعفاً لا أفهمه. يا لسخف هذا الارتياح لأنني لم أبُحْ بشيء عن نفسي. غيمة صغيرة تحجب الشمس التي أبهرتْ عيني ودوّختني. يختفي الضياء الذي أظهر الوبرَ الخفيف على وجوهِ النساء وسواعدهنّ، فتغلّف الأشياء والشجر ظلالٌ خفيفةُ الزرقة. أرشفُ جرعةً صغيرة من قنينة الماء التي صرتُ أحملها معي، جرعة لا تكاد تبلّلُ حلقي، كما يوصي الأطباء مرافِقِي مريضٍ استفاق توّاً من التخدير: "رطّبوا بالقطن المبلَّل شفتيه، ولا تدعوه يشرب". ليتوقّف الخوف، الخفيف المستمرّ، أوقفُ قدميّ عن المشي. أحبس أنفاسي وأزجر، في السرّ، صوتَ الشرّ هذا الذي يُحصي دقّاتِ قلبي. أجلس على مقعد وأغمض عيني، كأنّ هذه الإغماضة اكتشافٌ فاجأتُ به نفسي. أهكذا سأستعيدُ أحاسيسي التي تبعثرت وتأذّتْ، بعيداً عني، في اكتظاظِ القطارات، والشوارع العريضة المظلَّلة بأشجار دلب عملاقة؟ ماذا لو رآها العابرون إغراء؟ يتورّد الضوء أمام جفوني المطبقة كيدِ طفل فوق شمعةٍ، كأنني وراء جفنيّ المرتجفين سأحبسُ الأحاسيس حين تعودُ إليّ في وضح هذا النهار، لترقدَ في ظلامِ جسدي وتلتئم. سيناديني عابرٌ: "افتحْ عينيك"، فأنصاع للنداء- أرى في راحتهِ المبسوطة زرّاً مقطوعاً، فيومئ بحاجبيه: "هذه هي حياتك. الآن، كالمغفَّل في النكتة، ابحثْ عن خيّاط يعلّق إلى الزرّ معطفاً".

*

تعود الصور، ساكنة كالأسى:

مسنُّون لا يرتاحون بالجلوس على المقاعد والأرائك، نداء خفيّ يشدُّهم من ذيول خجلهم إلى التراب./ كانت أمطار الأمس غزيرة، قتلَ قطارنا غزالاً فتأخّر الوصول./ أيّ عمق يبلغ المطر؟ هل يتوحّل الموتى في العواصف الرعدية؟ هل ستبقى عظامهم جافّة، عالقة بين الماء المتسرّب من شقوقِ سقوفهم، وبين وحولٍ في الظلامِ السحيق تغذّيها الحمم؟

*

المقعد بارد. سيبدأ الزكام من رؤوس أصابعي إذا لامست هذا المسمار، وسيثقب الصدأ بنطلوني. لا يزال المساء بعيداً لأصير قطاً أسود، رأيتهُ يتدفّأ بالجلوس على مصباحٍ غُرِس، بين العشب والأقحوانات، في باحةِ متحف، والبخار يتصاعد من حوله، تحت شجرةِ إجاص مزهرة. مثله، سأدفئ قدمي بضوءِ مصباح، كأني عازفٌ يشدُّ جلدَ طبله استعداداً لعُرس. تشرقُ الشمس على محاولةِ الهدوء هذه. أتخيّل ملامحي تختنق كوحلٍ خاضتْهُ طريدةٌ في لحظاتها الأخيرة، وإذا تكّلمتُ فسوف يكون صوتي مثل ما تبقّى من موسيقى مسجَّلة في أحشاء دمية توقّفتْ عن الدوران، وحين دِيست سهواً ندَّ عنها ضجيجٌ صغير، سُرَّ به طفلٌ وأجفلتْ أمّه.

العالم دمية يسأمها العابثون فيبدؤون تمزيقها. فجأة، أنطقُ كلمةً لا على التعيين، كلمة واحدة لا أكثر، بصوتٍ وانٍ تُرى معه شفتاي تنفرجان قليلاً، كيلا يظنني أحدٌ ميتاً، كما أحسبهم موتى أولئك المشرَّدين الغافين على أمثال هذا المقعد، وقد تراختْ قبضة واحدٍ منهم عن قنينة بلاستيك لم يكمل احتساءَ ما فيها من شرابٍ غامضٍ رخيص، ولمّا انفرجتْ شفتاه قليلاً أنقذني من عجزي عن إنقاذه. 

 

Nour Asalia, Cerf, 2021, crayon et collage sur papier, 40X50cm

 

"لستَ الهديّة. أنتَ ورقُ التغليف"

ممتنٌّ لأرَقٍ أرخى عني قلقاً كبيراً. 

لم تُنسَ هداياي على الطاولات. رأيتُها هذه المرة تحت قشورِ التفّاح وعظامِ الفراريج، مرميّةً في سلّة القمامة دون أن تُفْتَح، محزَّمة بشرائط حُمر كفراشات من سيلوفان، يغلّفها ورق يخشخش، برّاقاً كأرديةٍ يدثّر بها المنقِذون أجسادَ المرتجفين على سواحلِ الجزر. هدايا أرّقتني وصمةُ المكان الذي أتتْ منه. أضفتُها إلى ديوني، وكان الأجدى لو سكرتُ بثمنها وما شكرتُ الدُّعاة، متمتماً ومرتبكاً كمعتوه. لم تكن هذه المرّة صابون غار، أو قنينة زيت زيتون بِكر ستتلألأ خضراء فارغة تحت الشمس، في صندوقِ المتروكات على العتبة. لم يُكترثْ بإخفائها، ولم يُبالِ المستضيفون كم حيّرني انتقاؤها. قلّبوها بين أيديهم، بما يُستطاع من اللطف، كرموز يدركون معانيها مسبقاً. ما رفضوها، ولا قبلوها. يعلمون أنّ ما لا يُهدى من قلب القلب يجلب اللعنة. ربما استشفّوا ضائقتي التي لا أعرف لها حدّاً أو منتهى، وظنّوا أنني قد غيّرتُ فجأة مجرى الهدية ومقصدها، فأعطيتُهم ما كنتُ سأهديهِ إلى سواهم، كالجنود الذين يشترون أرخصَ الألعاب في استراحاتِ البوادي قبل ركوبِ باصاتِ الليل، وهم يتفقّدون في اللحظاتِ الأخيرة بقايا نقودهم.

على مشطِ قدمي شامةٌ سوداء كدائرة يخفي بها البائعُ سعرَ الهدية. أهذا أنا، شحّاذ رحمة يهدي في أعيادِ الميلاد كتباً لا يقرأها أحد؟ استلقيتُ تحت رفوفٍ غُطّيت بالدمى. حذائي ملقى على هذه الأرض، حاملاً غبارَ أرضٍ أخرى، نمتُ حذاءه، متوسّداً كيساً من ملابس مستعملة أطرقتُ أمس لكيلا أرى أحداً يحدّقُ بي أحملها، ركّاباً جالسين وواقفين حولي، بينهم واثقات يدفشن الحقائب برؤوسِ أقدامهنّ، في الممرّ الساخن الموصَد كتابوت، البرزخ المعلّق بين السماء والأرض، بين البوّابة وبابِ الطائرة، حيث أذلّني موظَّف بطلبٍ أرعبني: "التأشيرة!" ركّعني السؤال لأنبشَ أوراقي، وأبرِزَ جوازي، بغلافه الأزرق ممحوّ الأسماء، فسبقني مَن كان بعدي وازدراني. انحنيتُ، والنظرات المسدَّدة عليّ قنفذتْ ظهري. أين المتأخّر يستعجلونه للحاق بالرحلة؟ مكبّرات الصوت مشوّشة. لم يفهم أحد النداءَ الأخير. لم أعرفِ الاسمَ الغريب الذي طارَ في الردهات فوق رؤوسِ المسافرين. كان اسمي، تركتُه ورائي وأتيت.

بقلبٍ واجف، وحلقٍ ينشف، كلما اجتزتُ أيّ حدود، توسّدتُ كيسَ الإهانات والخوف، واسترحمتُ الشجر. افترشتُ مجلّداتٍ مستعارة لن أعيدها إلى المكتبة لأنني لن أعود، وغفوتُ كمَن آلمه ظهره، على سريرٍ قاسٍ من الكتبِ القديمة.

 

Nour Asalia, Larmes, image imprimée et fils, 50x40cm

 

سأخرجُ هذا الصباح، حافياً مغطّى بوبرٍ بنفسجيّ

      مثل عقربٍ نامَ عشراتِ السنين في ظلامِ حائطٍ طيني

                أيقظته قطرةٌ غامضة لا يدركُ كيف أدركته

         فما اهتدى إلى جهةٍ وكلُّ الجهاتِ ترابٌ

                            كذهبِ الحكايات إذْ يتفتّتُ

                                 بين أيدي الواصلين إلى الكنوز؛

      عقربٌ استدرجوه بساقِ أقحوانة،

                        بين ملقطيه عملةٌ لا تشتري شيئاً

            ينسلُّ من شقٍّ ضيق في سقفِ قبر

                  مُعذَّباً بفكرةِ الغرق،

           يلفظه الخوفُ من غبارٍ إلى غبار

                كمولودٍ في ختامِ المخاض يتلقّفه نورُ الثلوج،

     سيفزعُ في إدبارهِ القططَ والمهرّجين

إلى أنْ يرميه أطفالٌ في وعاءٍ زجاجي رُميتْ

           سكاكرهُ بين شواهدِ القبور؛

   سيخدّرونني بالمصابيح،

       ضاحكين من زحلقاتِ يأسي على الزجاج؛

   سيسمّرونني في دائرةٍ رُسِمتْ بالنار على التراب

           كشيخٍ إيزيديّ حول قدميه، عند حنفيةِ السوق،

              رسمَ تجّارُ الأقمشة طوقَ سيركٍ

                      سمّوه دولابَ النوروز،

وقبل أنْ ألدغَ نفسي

     ستقطع يدٌ إبرتي

     وتشدُّ على ذيلي خيطاً من حرير

          لتنزّهني سيدةٌ عمياء

            وتؤدّبَ بي تلميذاً لا يهدأ ولا يطيع،

ثم يدسّني الغروبُ في حذاءِ مُصلٍّ،

      أو تحت مخدّةِ عاشقين

       فأسترقُ السمعَ إلى ما يقولان في الحبّ،

  ويُخفيني الصباحُ في جيبِ صحفيّ

         يتحسّس مفاتيحه أمام صندوقِ البريد.

 

سأعدو هارباً من هذا البيت أيضاً،

              هارباً منه وباقياً فيه،

     فتُسكت الأوراقُ المتقصّفة تحت خطواتي

           غناءَ العصفور الأسود على شجرة الكستناء،

                                  وتتفتّق الثمار عن بطون قنافذ.

      (نعم، للمرة الأولى، أمس، عرفتُ أنّ هذا المغنّي هو الشحرور).

سأجلس تحت الشمس،

     وببالونٍ أذبلَهُ الوقت

       أصنعُ لنفسي أنفَ مهرّج،

 مغمضاً عيني، كما أغمض الملوَّحون قلوبَهم هنا منذ مائة عام،

أمام حمارٍ وحشي يرعى في الثلج، ناظراً إليّ من وراء القضبان.

سأكتب تحت أنظارِ الفيلة والجِمال، في هذا الزمهرير، 

        رسالةً إلى طفلة بعيدة:

 

"سأهاتفكِ من أرضٍ لم يذُقْ ترابُها أجسادَنا

                       لن تختفيَ إذا أغمضتِ عينيك.

       خيبتي كبيرة لأن الثلج لم يمنعنا من الرجوع.

حلمتُ بثلوجٍ كبيرةِ الندف

                     تغطّينا بالصمت وتنوّمنا،

                         تسدُّ بالبياض الأبوابَ والطرقات

                                    كقطنٍ يحشو آذانَ الموتى

                                              يبذره التلاميذ عدَساً وينتظرون،

وذات ربيع، ستدخل طفلةٌ ذهبية مثلك

              هذا البيتَ الذي لم يكن لأحد

        فتبصرنا تحت دُماها نائمين، دمى كبيرةً بعيونٍ جاحظة،

            لم نُشنَقْ ولم نُخنَقْ، لكننا غصَصْنا بالسعال الذي كتَمْنا 

                       كيلا نقلِق نومَ مَن استضافونا.

سافرنا وفي أيدينا تذاكر بِعنا من أجلها الساعاتِ والخواتم

                  ولم تأخذْنا إلى أيّ مكان أبعدَ من قلوبنا".

 

Nour Asalia, La guerre , image textile et fils, 50x40cm

 

ما بين خيط السواد وخيط البياض

كان ليلاً أزرق كالحليب. 

رأتْ حليمة السعدية شيخين طائرين جاثمين إلى جوار رضيعها، يتيم الزمان الممدَّد على الرمال: محمد الطفل نائم، صدره مشقوق، أحد الشيخين مشمّر عن ذراعيه، يداه تغوصان وسط الحنايا تستخرجان قلبه، تضعانه كالمولود في طشتٍ مملوء بماء زمزم، فتغسلان جوفه بالماء البارد للحكمة، وتمحوان وساوسه بالإيمان. الشيخ يشرح صدر الطفل وينتزع من قلبه خيطاً أسودَ، ثم يطير الملكان إلى السماء بجناحين ساكنين كصليبين من فضة. 

الخيط هو غلُّ الشيطان، خلاصة الضغينة والحسد. كان الصحابة يرون أثر المخيط مرئياً في قصّ الرسول وبطنه.

*

هل رُقّعت صمّاماتُنا التالفة بطعومٍ من قلوبِ الخنازير؟ ماذا لو زرعَ لنا الملاك العجوز بين الضلوع غيوماً تضخّ الدمع في العروق؟ ماذا لو غسل بالعَرق كُلانا المعطَّلة؟ متى سيُسكِت هذه القلوب المسعورة النابحة في ظلام الصدور، لأن الموتَ يسير خافقاً كلّ نبضة؟ مَن سيَرفع من أعماقنا مرساة الخوف؟

حُمِلنا على محفّات الطوارئ، وصحونا مخدَّرين: صفير مبْهم يشقّق هدوء الليل. أطياف الممرضات هادئة في سكون الممرات. أكياس السيروم تنقّط الخلاص في عروق المرافِق. السماء بعضُ كدماتنا إذِ انفجر بنا الفجر، فسرّبت شرايينا المقطوعة شفقاً آخر إلى الأفقِ الشرقيّ. شفقٌ كبير، على وهجه يدفّئ المنتظرون راحاتهم في العراء. 

كنا جريحين- جمعنا انفجارٌ واحد في مهجع كبير، يغصُّ بجرحى من الغرباء وعابري السبيل وبائعي الخضار الجوّالين على باب الله، مُصفَّفين كأحذية المصلّين على عتبات الجوامع: الهواء دبق، الممدَّدون يحسبون معابثةَ النسيم لرؤوسهم قملاً، فيفكّرون: "والآن سيُقال عنا: "المقمّلون نجوا!"". 

سقطنا وسط كلّ هذا البياض كشعرةٍ في كوبِ الحليب. لم يزرْنا أحد. قدّموا لنا المستقبل مغلَّفاً بالقصدير كوجباتٍ لا نعرف طبّاخيها. لم يزرنا أحد. كنا ننتظر طفلاً هادئاً يزور غيرنا ويفرحنا ظهوره، يطيل الوقوف أمام النافذة الكبيرة، ملوّحاً بيده ليهشّ الطائرات البعيدة، الطافية كالبعوض. احمرّتْ عيوننا كمصابيح الطائرات أوّل إقلاعها. 

أثناء تغيير الضمادات، كنتُ أختلس النظر إلى جراح جاري، أرِقاً يتلصّصُ على أرِق: أسفل القصّ، في بطنه الضامر القويّ، جرحٌ طولانيّ يتوسّط عمودين من العضلات، مقطَّعين كسجق الأرمن. أمام هذا الجرح المقطّب الطويل، ما استطاع منع نفسه من التفكير بالشرائط المتقاطعة كإشارات ضرب على بطون ممثّلات البورنو. كنتُ أرى القُطَب على جلده الأسمر سيورَ خفٍّ رياضي. 

*

حذارِ. لا تنبّه أحداً إلى سيورِ حذائه المفكوكة. دَعْه للعثرات. عما قريب سيأتي الموت. سيحشر قدمه في جرحك، منتعلاً جسدَك الملقى على الأرض، يقفزُ به بخطواتٍ واسعة في الممرّات، على ساقٍ واحدة كنسناس حضرموت.

*

الأوّلون عضّوا على جراحهم بأفواهِ الحشرات- يُسلِمون شفتَي كلّ جرح إلى فم دودة أو أكثر لترضع دماءهم، وتمصَّ الخوف من قلوبهم ورؤوسهم (آه، كم حسدناهم)؛ وحين يتأكّدون من إحكام الديدان السمينة عضّاتِها يقطعون بالنصال رؤوسَها الخضراء، ويتركونها ترصّعُ جلودهم حتى تتفتّت. يخفّف الوقتُ وزنَ الدم، فييبس كلُّ رأسٍ وحده، ويسقط كالسرّة المزرَّرة. 

*

أتانا الطبيب الشابّ، مرحاً بصلعته الأبقراطية. قال: "التمويه متقَن. كأننا أجرينا عملية بنطلون الأبهر". يده الخفيفة في خياطة الألم تتلمذتْ على يد معلّم أخذ هذا البراعة عن البحّارة- يكوون جراحَهم بالملح، المعقّم الوحيد. 

لا أحد يعرف متى ستدوّي صفّارةُ الإقلاع. الجسد مرْكبٌ صغير في ظلّ إبرة. لتلأم جراحه شُدَّ الخيط واعقدْه كأنه حبل سارية، والأيام هنّ النفّاثات في العُقد. عند الوصول، سيعود الذاهب ويذهب العائد، ويغرق كلُّ مركبٍ في مرساه. سنعرف أين نحن وأين كنا. سنعرف كيف اقتلعوا الأسنان الذهبية من أفواه الغجر، وصهروها ليرسموا هالاتِ القدّيسين. لكنّ الغفران لن يأتي إذا انتظرته. سيحلّ بغتة، وينفخ على ورقةِ اللبلاب اليابسة بين ضلوعك، لترى العالمَ الآخر هذا العالمَ الذي يحيط بنا ولا نراه. 

*

مقابل المهجع البحريّ الذي جمعنا على بلاطه الانفجارُ، كانت البواخر المغادرة تصلب الموج بالزبد، كصلبان إسكوتلندية يطبعها القراصنة على بابِ البحر. حتى في أتفه الحكايات، ليس لأحد أنْ ينهبَ البحر ويهدمه، هذا الانهيار الدائم على شكل هدهدة.

*

-هل سيذوب الخيط الأسود في لحمي؟ سألتُ الطبيب.

-نعم. إنه من أمعاء قطّ.

قطٌّ أسود وهبني واحدة من أرواحه السبعة وأنقذني.

*

انهمرتْ علينا رأفةٌ لا ينالها إلا الموتى. 

مأوانا الآن مكانٌ نقلنا إليه موجُ البحر. ابتعدنا عن بلاد الانفجارات خمسة آلاف كيلومتراً. 

الضوءُ على الثلج يزرّرُ عيوننا. الهواء القارس يخيط الجفون بإبرٍ من رموشنا. 

كلُّ عين مزمومة بشريطٍ من إشارات ضرب سوداء. كلُّ عين زنزانةٌ حبسنا فيها شاهداً وأغلقنا الأبواب.

تحت المعاطف، ندوب تعلو جلودنا كالتراب على قبور مجهولين.

أرادتْ جراحُنا أنْ تغنّي حتى الموت فكمّموها، وكهربوا عقولنا المختلّة بالأمل. 

عيون القضاة تكذّب أفواهنا، فيأمروننا أنْ نتعرّى ليتقرّوا الحقيقة باللمس، للتحقُّق مِن صدقنا، أو العفو عن صمتنا.

وفوق رؤوسنا، عالياً في السماءِ الصافية، 

        صلبانٌ من دخان

               ترسمها النفّاثات على بابِ الله.

 

 

(إشارات)

-"بعد الأحمر المخيف للصباح الباكر": إلى أماني لازار في ساحة بول لانجڤان، الدائرة الخامسة، باريس شتاء 2017. العنوان من قصيدة لنيلي زاكس.

-"لستَ الهدية، أنت ورق التغليف": إلى زارا أبو دياب وأحمد شعبان، في حديقة فريدركسبرغ، كوپنهاغن، 2014. العنوان من قصيدة لِتُور أولڤن.

-"ما بين خيط السواد وخيط البياض": إلى هدى فخر الدين. البداية والخاتمة مستلهمتان من الشيخ محمد الغزالي الذي كتب في "فقه السيرة": "ولو كان الشرّ إفراز غدة في الجسم ينحسم بانحسامها، أو لو كان الخير مادة يزود بها القلب، كما تزود الطائرة بالوقود، فتستطيع السمو والتحليق، لقلنا: إنّ ظواهر الآثار مقصودة، ولكنّ أمر الخير والشر أبعد من ذلك". 

اختيرت الصور المرافقة ("وعل"، "دموع"، "الحرب") من أعمال الفنانة السورية نور عسلية بعد استئذانها. 

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع