Author Name

مجلة ثقافية فلسطينية

للكاتب/ة

عالم درامي لا يكتفي بعرض الألم أو تفسيره، بل يترك مساحة للرنين الإنساني البسيط: للحوار، للمودة، وللحظات الصغيرة التي تجعل الشخصيات تبدو أقرب إلينا، وأكثر قدرة على العيش في ذاكرتنا.

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

30/03/2026

تصوير: اسماء الغول

غدير محاجنة

مجلة ثقافية فلسطينية

غدير محاجنة

باحثة في مجال علم النفس المُجتمعي ومُهتمة في النقد السينمائي.

في نهاية يوم مثقل بالأخبار العاجلة، وصور الحروب، والتحليلات السياسية التي لا تنتهي، قد يلجأ كثيرون إلى طقس بسيط: فتح التلفاز ومتابعة أحد مسلسلات رمضان. نوع من الاستراحة المؤقتة من ثقل الواقع، أو محاولة لتبديل المزاج لبضع ساعات. لكن المفارقة أن المشاهد الذي يهرب من ضجيج العالم، قد يجد نفسه سريعًا داخل عالم آخر لا يقل اضطرابًا: شخصيات مأزومة نفسيًا، علاقات مشحونة بالعنف، وأبطال يحملون قدرًا كبيرًا من الغضب أو القسوة أو ما أصبح يُسمّى اليوم بـ"السلوك التوكسك".حيث يصور عدد كبير من مسلسلات هذا الموسم  أن الإنسان على الشاشة لم يعد ذلك الشخص الذي يمكن للمشاهد أن يبني معه علاقة ألفة أو تعاطف بسهولة، حيث تتحول الدراما، من حيث لا تقصد أحيانًا، إلى مساحة مكتظة بالبشر المُشوهين نفسيًا. وربما لا يتعلق الأمر فقط بتطور في أساليب كتابة الشخصيات، بل بتغير أعمق في الطريقة التي نتخيل بها الإنسان نفسه.

في هذا السياق، لا يتغير شكل الشخصيات في الدراما فقط، بل يتغير أيضًا موقع المشاهد نفسه، حيث يبقى عاجزًا عن خلق مساحة للاشتباك العاطفي مع ما يحدث داخل المسلسل. أمامه زَخْم هائل من الأحداث والصدمات الدرامية التي تُبقيه منشغلاً بالفهم والتفسير أكثر من أن يكون متاحًا للشعور أو التأمل. لا يوجد متسع للتأني، للاستشعار العميق، أو لمجرد التفاعل العاطفي مع الشخصيات ومصائرها. كل دقيقة في الشاشة تجعله يتنقل بسرعة بين الأحداث، يبحث عن منطق داخلي لكل عقدة نفسية، ويحلّل أسباب كل تصرف، لكنه بالكاد يستطيع أن يشعر أو يكوّن رابطًا عاطفيًا حقيقيًا. وبشكل أوسع، يمكن القول إن هذا يشبه أو يرتبط بطريقة إنتاج علاقتنا بالحياة من حولنا. حياتنا اليومية مليئة بالزخم، بالضوضاء، بالمحفزات السريعة، بحيث نتحوّل إلى مستهلكين للخبر، للأحداث، وللعلاقات، أكثر من كوننا متفاعلين عاطفيًا معه، الأمر الذي  أسماه هارتموت روزا "فقدان الرنين مع العالم" حيث يُشير  إلى أن الإنسان المعاصر يعيش في عالم مليء بالمحفزات، المعلومات، والصدمات المتلاحقة، بحيث يصعب عليه أن يشعر بعلاقة حقيقية مع ما حوله، سواء مع الأشخاص أو الأحداث أو حتى مع ذاته الداخلية. فالرنين، بوصفه علاقة حيّة ومتبادلة بين الذات والعالم، يفترض درجة من الأمان الوجودي تسمح للخبرة بأن تُعاش وتُستوعَب وتُدمَج في السرد الذاتي للفرد.(Vial, M., & Vial, I. 2025)

وهنا يبرز السؤال الأهم: إذا كان الدور المفترض للفن والدراما هو تعميق شعور الإنسان بذاته، وتوسيع قدرته على الرنين مع العالم، كيف تتحول المسلسلات التي يُفترض أن تكون مساحة للتأمل، والفهم العاطفي، والاكتشاف الذاتي، إلى آلة من الزخم والصدمات التي تمنعنا من الشعور؟ لماذا يفشل الفن في أداء وظيفته الأساسية: جعلنا نحس، نتأمل، ونعيد إنتاج علاقة حقيقية مع العالم؟ كما يقول دولوز: الفنّان مَنْ يستطيع أن يحرّر للمرء حياة، حياة قويّة، حياة أكثر من شخصيّة، ليست حياته.

تراجُع الحكم الأخلاقي لصالح التفسير النفسي

تكشف مسلسلات رمضان لهذا الموسم عن تحوّل لافت في الطريقة التي تُقدَّم بها الشخصيات والصراعات الدرامية. فالعالم الذي كانت الدراما تبنيه سابقًا على ثنائية واضحة بين الخير والشر، أو بين البطل والشرير، لم يعد حاضرًا بالوضوح نفسه. بدلًا من ذلك، تظهر الشخصيات اليوم في منطقة رمادية، حيث تتداخل الدوافع الإنسانية المعقدة مع الأفعال المؤذية، بحيث يصبح من الصعب إصدار حكم أخلاقي حاسم عليها. الشر لم يعد يُقدَّم بوصفه خيارًا أخلاقيًا واضحًا يمكن إدانته بسهولة، بل بوصفه نتيجة مسار طويل من الجروح النفسية والتجارب المؤلمة.

في هذا السياق، لا تختفي الأفعال المؤذية من الدراما، بل تتغير الطريقة التي تُفهم بها. قبل أن يُسمح للمشاهد بأن يحب شخصية ما أو يكرهها، يُعرض عليه تاريخها النفسي بالتفصيل: طفولة قاسية، خيبات متراكمة، علاقات فاشلة، أو سلسلة من الضغوط الاجتماعية التي راكمت شعورًا بالعجز أو الحرمان. وكأن العمل يقول للمشاهد بشكل غير مباشر: لا تتسرع في الحكم، حاول أولًا أن تفهم ما الذي حدث لهذه الشخصية. وهكذا يتحول الشر على الشاشة من فعل أخلاقي يمكن إدانته بوضوح، إلى محصلة معاناة نفسية معقدة يصبح فهمها شرطًا لفهم السلوك نفسه.

يعكس هذا التحول الانتشار الواسع للغة الصحة النفسية في الثقافة المعاصرة. فقد أصبحت مفاهيم مثل الصدمة النفسية، والاضطراب، والعلاقات "السامة"، أدوات تفسير شائعة لفهم السلوك الإنساني. في هذا الإطار، يتراجع السؤال الأخلاقي التقليدي — هل ما تفعله هذه الشخصية صواب أم خطأ؟ — ليحل محله سؤال آخر: ما الذي جرى لهذه الشخصية لتتصرف على هذا النحو؟ ومع هذا التحول، تنتقل الدراما تدريجيًا من عالم يقوم على الحكم الأخلاقي إلى عالم يقوم على التفسير النفسي.

 

 

يمكن فهم هذه الظاهرة أيضًا في ضوء ما يسميه عالم الاجتماع زيجمونت باومان بـ"الأخلاق السائلة"، حيث تفقد القيم الأخلاقية صلابتها التقليدية وتصبح أكثر مرونة وتبدلًا تبعًا للسياقات الفردية. ففي عالم تتراجع فيه المرجعيات الأخلاقية المشتركة، لم يعد الفعل يُقيَّم بمعزل عن قصة الشخص الذي يقوم به، بل من خلال الظروف النفسية والاجتماعية التي تحيط به. وهكذا تتحول الدراما إلى مساحة تتداخل فيها الضحية مع الجاني، والفهم مع الإدانة، بحيث تصبح الحدود بين الخير والشر أقل صلابة وأكثر قابلية للتأويل. هذا التحول لا يغيّر الشخصيات الدرامية فحسب، بل يغيّر أيضًا موقع المشاهد، اذ يجد نفسه في موقع أقرب إلى المعالج النفسي: يستمع إلى اعترافاتها، يتتبع تاريخها العاطفي، ويحاول فهم الجرح الأول الذي قد يفسر سلوكها. ومع تراكم هذه القصص النفسية، تتراجع المسافة الأخلاقية التي تفصل المشاهد عن الشخصيات، ويحل مكانها نوع من التعاطف التحليلي الذي يجعل حتى الأفعال الأكثر إيذاءً قابلة للفهم.

تظهر هذه النزعة بوضوح في عدد من مسلسلات الموسم، التي لا تقدّم الشخصيات كأبطال أو أشرار بقدر ما تقدّمها كحالات نفسية معقدة متعددة الطبقات. ففي مسلسل "حكاية نرجس" مثلًا، نرى امرأة في الثلاثينيات تعيش تحت ضغط اجتماعي قاسٍ بعد طلاقها بسبب زواج زوجها عليها وعدم إنجابها. وعندما تتزوج لاحقًا من حبيبها القديم، تجد نفسها مرة أخرى في مواجهة رفض عائلته لها بسبب شائعات العقم. تحت وطأة هذه الضغوط، تنزلق نرجس تدريجيًا إلى سلسلة من الأكاذيب والأفعال الإجرامية، بما في ذلك خطف طفل، في محاولة يائسة لبناء عائلة تحقق لها حلم الأمومة والاستقرار. هنا لا تُقدَّم الجريمة بوصفها شرًا خالصًا، بل كاستجابة مأساوية لمسار طويل من الإحباطات والضغوط.

 

 

وفي مسلسل "سوا سوا" يظهر بعد آخر للتعقيد النفسي من خلال شخصية الطبيب فوزي، الذي يعيش صراعات داخلية مرتبطة بطفولة مضطربة وعلاقة معقدة مع والدته، وتظهر هذه الصراعات في رؤى وأحلام تطارده خارج المستشفى. تتداخل هذه التجربة النفسية مع علاقاته العاطفية، بحيث تصبح أفعال الشخصية مفهومة في ضوء تاريخها الداخلي أكثر من كونها مجرد قرارات أخلاقية معزولة.

كذلك الأمر في مسلسلات أخرى مثل "الست موناليزا"، حيث يظهر الزوج ووالدته مدفوعين بالطمع والجشع، لكنهما يبرران سلوكهما بظروف اقتصادية وضغوط اجتماعية، بينما تكشف مسلسلات أخرى عن شخصيات توصف منذ البداية بأنها "سامة"، في إشارة إلى لغة نفسية أصبحت شائعة في تفسير العلاقات الإنسانية. وفي جميع هذه الحالات، لا يختفي الصراع الدرامي، لكنه يتحول من صراع أخلاقي واضح إلى شبكة معقدة من الدوافع النفسية والضغوط الاجتماعية.

ورغم أن هذا التعقيد كان يمكن أن يخلق علاقة عاطفية أعمق بين المشاهد والشخصيات، إلا أن الإلحاح الميلودرامي في بعض الأعمال يجعل التوتر الدرامي يبدو مفتعلًا أكثر منه نابعًا من بناء درامي متماسك. والنتيجة أن المشاهد يجد نفسه في موقع المراقب والمحلل أكثر من كونه شريكًا عاطفيًا في التجربة الدرامية؛ يفسر الدوافع ويحلل الجروح النفسية للشخصيات، لكنه بالكاد يعيش معها الصراع أو يشعر بحرارته العاطفية.

الدراما كمراَة للتحولات السياسية وانعكاساتها النفسية

قد يكون من المفيد النظر إلى التحولات التي نشهدها في الدراما العربية اليوم بوصفها انعكاسًا لحالة نفسية جماعية أوسع، لا مجرد تغيّر في أساليب الكتابة التلفزيونية. ففي كتاب "عصفورية"، تقترح الباحثة جويل أبي راشد فكرة لافتة مفادها أنه يمكن أحيانًا قراءة تاريخ مجتمع ما من خلال أنواع الاضطرابات النفسية التي تسود فيه. فالتاريخ النفسي، بحسبها، لا ينفصل عن التاريخ السياسي والاجتماعي، بل يتشكل معه بصورة متداخلة، بحيث تعكس التحولات في أنماط الاضطراب أو في لغة الجنون التحولات العميقة التي تمر بها المجتمعات (Abi-Rached, 2020).

في سياق الشرق الأوسط عمومًا، ولبنان خصوصًا، تربط أبي راشد تاريخ "الجنون" بتاريخ التحولات العنيفة التي عرفتها المنطقة: الحروب، الصدمات الجماعية، الهجرة القسرية، والانهيارات الاقتصادية. وتلفت إلى أن الخطاب السياسي في زمن الحرب الأهلية اللبنانية، وما سبقها وتلاها، اتسم في كثير من الأحيان بدرجة من اللاعقلانية بدت معها الأحداث وكأنها تفلت من أي إطار عقلاني مستقر. في مثل هذا السياق، يصبح من الصعب الفصل بين ما هو سياسي وما هو نفسي؛ إذ يبدو المجتمع بأكمله، على نحو استعاري، كما لو أنه يتحول إلى ما يشبه مصحًا عقليًا واسعًا. ولذلك تكتب أبي راشد أن البلاد بدت في لحظات كثيرة وكأنها "عصفورية" كبرى، فضاءً مترامي الأطراف تتداخل فيه الهواجس الفردية مع اضطراب التاريخ نفسه (Abi-Rached, 2020).

ومع مرور الوقت، لم يعد اسم "العصفورية" يشير فقط إلى مصحّ عقلي محدد، بل تحوّل في المخيال الشعبي إلى استعارة ثقافية أوسع. صار المصطلح يُستخدم للإشارة إلى الفوضى أو الاختلال، حتى إن بعض المصحات النفسية في فلسطين وسوريا والأردن كانت تُسمّى أحيانًا "عصفوريات"، وكأن الحدود بين هذه الأمكنة قد تلاشت، وتحولت المنطقة بأكملها إلى فضاء متشابه الملامح، تتأرجح فيه المجتمعات بين الهواجس والوساوس التي خلّفتها عقود طويلة من العنف والتحولات التاريخية (Abi-Rached, 2020).

إذا أخذنا هذه الفكرة على محمل الجد، فإن التحولات التي نشهدها اليوم في الدراما العربية تبدو أقل غرابة. فالمسلسلات لا تعكس فقط تغيرًا في الذائقة الفنية، بل قد تعبّر أيضًا عن مزاج نفسي جماعي تشكّل في ظل سنوات طويلة من الحروب واللجوء والانهيارات الاقتصادية. الشخصيات المضطربة نفسيًا التي تملأ الشاشة ليست مجرد اختراع درامي، بل قد تكون انعكاسًا لعالم اجتماعي يعيش هو نفسه قدرًا كبيرًا من الاضطراب. وهكذا تصبح الدراما، مثلها مثل الأدب أو السينما، إحدى الطرق التي يمكن عبرها قراءة الحالة النفسية للتاريخ نفسه.

بعد سنوات من الحروب وموجات النزوح، لم تعد الدراما العربية تتحرك داخل عالم اجتماعي مستقر نسبيًا كما كان الحال في كثير من الإنتاجات السابقة. بل أصبحت تُكتب داخل واقع مكسور، تتداخل فيه الصدمات الجماعية مع الأزمات الفردية. في هذا السياق، لم يعد التشوه النفسي مجرد أداة درامية لتطوير الحبكة، بل أصبح انعكاسًا لحالة تاريخية أوسع، حيث تبدو الشخصيات وكأنها تحمل داخلها آثار العنف السياسي والاجتماعي الذي مرّت به المجتمعات نفسها.

يظهر هذا التحول بوضوح في الدراما السورية، التي كانت لسنوات طويلة واحدة من أكثر الصناعات الدرامية العربية قدرة على إنتاج شخصيات حية ومركبة دون أن تفقد خفة الحياة اليومية ودفئها. ففي كثير من المسلسلات السورية قبل الحرب، كانت الشخصيات تُكتب بقدر كبير من الذكاء الاجتماعي، حيث تظهر التناقضات الإنسانية من خلال حوارات دقيقة ومواقف حياتية بسيطة. لم تكن الشخصيات مثالية بالضرورة، لكنها كانت قابلة للحياة داخل عالم درامي مألوف يمكن للمشاهد أن يبني معه علاقة ألفة طويلة. كانت هناك مساحة للمرح، للسخرية الذكية، وللتوترات الصغيرة التي تشبه الحياة نفسها.

لكن بعد الحرب السورية وما رافقها من دمار واسع وتجارب لجوء قاسية، تبدلت نبرة الدراما بشكل ملحوظ. كثير من المسلسلات باتت تعكس عالمًا مثقلًا بالفقد والعنف والإحساس الدائم بانكسار الحياة. الشخصيات غالبًا ما تظهر مثقلة بتجارب قاسية: فقدان منزل، تهجير، فقر، أو علاقات عائلية محطمة بفعل سنوات طويلة من الصراع. في هذا السياق، لم تعد الدراما تروي قصصًا عن البشر فحسب، بل أصبحت تروي أيضًا آثار الحرب التي تسكن داخلهم.

هذا التحول أنتج نوعًا من القتامة الوجودية داخل السرد الدرامي. فبدل الحوارات الخفيفة التي كانت تكشف عمق الشخصيات عبر تفاصيل يومية بسيطة، نجد اليوم زخمًا من الأحداث القاسية والانقلابات الدرامية المتتالية والمآسي المتراكمة. وكأن الدراما تحاول باستمرار أن تواكب حجم الكارثة التاريخية التي عاشتها المجتمعات، لكنها في كثير من الأحيان تفعل ذلك عبر تكثيف الألم والصدمة إلى درجة يصبح معها العالم الدرامي نفسه خانقًا للمشاهد. وهنا تظهر المفارقة: فبدل أن تخلق الدراما مساحة للتأمل في التجربة الإنسانية، تتحول أحيانًا إلى سلسلة متلاحقة من الصدمات، حيث تبدو الشخصيات مشوهة نفسيًا ليس فقط بسبب ماضيها الشخصي، بل أيضًا بسبب تاريخ جماعي طويل من العنف والانهيار.

نوستالجيا للدراما الرمضانية القديمة

لهذا السبب تحديدًا تظهر اليوم حالة نوستالجيا واضحة تجاه الدراما الرمضانية القديمة. ليس فقط لأنها كانت أكثر بساطة أو أقل سوداوية، بل لأنها كانت تخلق نوعًا من الحميمية الدرامية التي تبدو نادرة اليوم. كانت تلك المسلسلات تُشاهد غالبًا داخل سياق عائلي، حيث تتحول المتابعة نفسها إلى طقس اجتماعي: العائلة تجتمع مساءً، الشخصيات تصبح مألوفة، والحوارات تتحول إلى جمل تُقتبس وتُعاد في الحياة اليومية. الأهم من ذلك أن تلك الأعمال كانت تنتج شخصيات يمكن للمشاهد أن يبني معها علاقة طويلة الأمد. شخصيات ليست مثقلة دائمًا بالصدمات الكبرى، لكنها تحمل تناقضات إنسانية بسيطة تشبه الناس في حياتهم اليومية. ولهذا كانت تلك المسلسلات قابلة للإعادة مرارًا، ليس فقط بدافع الحنين، بل لأن العودة إليها كانت تشبه العودة إلى مكان مألوف ودافئ.

ربما لهذا تبدو كثير من المسلسلات القديمة اليوم كأنها ركن دافئ في الذاكرة الجماعية. مكان يمكن الهروب إليه من ضجيج العالم، لا لأنه يخلو من الصراعات، بل لأنه يقدّمها داخل إيقاع يسمح للحياة بأن تتنفس. عالم درامي لا يكتفي بعرض الألم أو تفسيره، بل يترك مساحة للرنين الإنساني البسيط: للحوار، للمودة، وللحظات الصغيرة التي تجعل الشخصيات تبدو أقرب إلينا، وأكثر قدرة على العيش في ذاكرتنا.

 

المراجع

Abi-Rached, J. M. (2020). Asfuriyyeh: A History of Madness, Modernity, and War in the Middle East. MIT Press.
Vial, M., & Vial, I. (2025). The resonance of hostility: a phenomenological dispute with Hartmut Rosa. Human Studies, 1-19.

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع