Author Name

كاتب فلسطيني سوري

للكاتب/ة

دقّة أدائه وقدرته على ضبط الانفعال دون إخماده مبهرة. فهم بكري أن التمثيل العظيم لا يقوم على رفع الصوت أو المبالغة المسرحية، بل على التحكم والنية، وعلى الشجاعة في السماح للكاميرا بأن ترى ما يفكّر فيه الممثل قبل أن ينطق به.

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

30/12/2025

تصوير: اسماء الغول

شفيق طبارة

كاتب فلسطيني سوري

شفيق طبارة

ناقد سينمائي، يكتب في عدة صحف ومجلات عربية، يغطي سنويا عدداً من المهرجانات السينمائية العربية والعالمية. عمل كمدير فني لمهرجان "نورينت" في سويسرا. ويعمل مستشاراً فنياً لعدد من شركات الإنتاج العربية والعالمية. أصبح هذا العام مصوت دولي لجوائز الغولدن غلوب.

سيُستعاد اسم محمد بكري (1953 – 2025) كثيراً في الذاكرة السينمائية العربية، وسيُعاد التفكير في موقعه داخل الثقافة الفلسطينية، بوصفه فنّاناً عبر الحدود الجغرافية والرمزية التي حاولت السلطة الإسرائيلية رسمها حول الجسد الفلسطيني وصوته. تعامل بكري مع الفنّ كمساحة اشتباك، وحضوره أعاد تعريف علاقتنا بالصورة في سياق تُراقب فيه إسرائيل كلّ تفصيلة من تفاصيل الظهور الفلسطيني. في مسرحه وفي سينماه الروائية والوثائقية، كانت الصورة والكلمة فعل شهادة بقدر ما هي فعل خلق، فأعاد الاعتبار للإنسان الفردي وسط ضجيج الخطابات الكبرى.

منذ ظهوره للمرّة الأولى في فيلم «هانا ك.» (1983، «Hanna K.») لكوستا غافراس، برز بكري بوصفه حالة اختبار لتمثيل الفلسطيني داخل السينما العالمية. لم يكن حضوره مجرد أداء تمثيلي، بل تدخلاً في بنية الخطاب البصري. فالفيلم الذي تحوّل لاحقاً إلى ما يشبه «النص الملعون» لم يُحارب بفعل عوامل فنّية أو جمالية، بل نتيجة حملة سياسية اتهمته زوراً بمعاداة السامية، لإخضاع الظهور الفلسطيني لشروط الرقابة. أي أن أي محاولة لتمثيل التجربة الفلسطينية خارج القوالب المسموح بها هي تهديد للسردية المهيمنة. اليوم، بعد عقود على إنتاجه، يستعيد الفيلم (خاصة مع رحيل بكري) أهميته، ليس بسبب جدية الطرح، بل قدرته على الإضاءة على العلاقة المعقدة بين الفنّ والسلطة.

دخل بكري مخيّم جنين في أبريل/نيسان 2002، بعد وقت قصير من الهجوم العسكري الإسرائيلي، وفي لحظة كان الوصول الصحفي فيها شبه مستحيل. ما سجلته كاميرته ليس إعادة تمثيل جنائي، بل حضور السكان أنفسهم وسط الأنقاض. رجال ونساء وأطفال يتحدثون مباشرة إلى العدسة، فتتراكم الشهادات دون فلاتر، ولا تُستخدم الكاميرا لإثبات الوقائع، بل لإتاحة الكلام. يحتلّ الوثائقي «جنين جنين» (2002) موقعاً مركزياً في مشروع بكري السينمائي، ويعيد تعريف علاقة الفلسطيني بالخطاب التوثيقي. منذ البداية كان بكري واضحاً في تحديد طبيعة مشروعه: «جنين جنين» ليس وثيقة قانونية، بل وثيقة ذاكرة. جاء الرد سريعاً وعنيفاً: حظر، ورقابة، وتشويه، وتهديد بالقتل، ودعاوى قانونية لم تنتهِ حتى الماضي القريب.

قبل ذلك بأربع سنوات، قدّم بكري فيلمه الوثائقي الأول «1948» (1998)، الذي عُرض في الذكرى الخمسين للنكبة، في إيماءة رمزية تُعيد للسينما دورها كأداة مقاومة للنسيان. لم يكن الفيلم مجرّد سرد تاريخي، بل أرشيفاً بصرياً لجرح مفتوح. عبر شهادات الناجين من مجازر دير ياسين والدوايمة، وصور أرشيفية، وحوارات مع كتّاب فلسطينيين، يُصرّ الفيلم على شرعية الذاكرة الفلسطينية وسلطة من عاشوا النكبة.

في أعقاب الاضطرابات التي أحدثها فيلم «جنين جنين»، اختار بكري إخراج وثائقي أكثر شخصية بعنوان «من يوم ما رحت» (2004)، وهو حوار تخيلي بين بكري والأديب والمفكّر والسياسي إميل حبيبي (1922 – 1996). يزور بكري قبر صديقه، وهناك يبدأ في سرد ما جرى منذ وفاته. «من يوم ما رحت» ليس رثاءً لإميل حبيبي، ولا قصة حياته، كما أوضح بكري، بل حوار بين صديقين التقيا بعد فراق طويل، روى فيه بكري لصديقه عن الولادات والوفيات وكلّ الأحداث التي هزّت فلسطين منذ رحيله.

في «زهرة» (2009)، اختار بكري عمته، امرأة تبلغ من العمر 80 عاماً، ليروي قصتها، وهي قصة العديد من نساء جيلها. شهدت النكبة، وسُجن زوجها، وتهجّرت من فلسطين إلى لبنان، ثم عادت سراً إلى قريتها، وتوفي زوجها قبل أوانه، واضطرت إلى تدبير شؤون عائلتها بمفردها. لم يكن الفيلم آخر فيلم أخرجه بكري، بل تبعه فيلمه الوثائقي القصير «يرموك» (2014)، الذي أثار جدلاً عربياً كبيراً، ثم فيلمه «سواد»، الذي قال إنه ليس اعتذاراً عن «يرموك» بل النسخة الكاملة والنهائية منه.

على مدى خمسة عقود، شارك محمد بكري في أكثر من أربعين فيلماً، تعاون خلالها مع مخرجين غربيين مثل كوستا غافراس والأخوين تافياني، ومع مخرجين فلسطينيين من أجيال مختلفة، بينهم رشيد مشهراوي وميشيل خليفي وحنا إلياس وآنس ماري جاسر ومها حاج، وصولاً إلى شيرين دعيبس في فيلمها «اللّي باقي منّك» (2025). من خلال الشخصيات التي جسّدها، أعاد بكري تعريف العلاقة بين الذات الفلسطينية والكاميرا. لم يكن يؤدي «الشخصية الفلسطينية» بوصفها نموذجاً تمثيلياً ثابتاً، بل كان يُجسّد جيلاً كاملاً يصارع من أجل حقه في الظهور. أسهم بكري، عبر هذا المسار الطويل، في بناء أرشيف بصري بديل. إن الشخصيات التي أداها بجسده وصوته ووجهه، بكل هشاشتها وغضبها وطاقتها، تُشكّل طبقات متراكمة من الذاكرة البصرية، تُقاوم المحو وتُعيد للفلسطيني حضوره داخل تاريخ السينما.

تُوضّح تجربة بكري معنى ممارسة السينما والمسرح والخطابة العامة في سياق تُنكر فيه البُنى السياسية ديمومة الصورة والصوت والأرشيف على حدّ سواء. ففي بيئة تُهدَّد فيها الذاكرة باستمرار، يصبح الأداء نفسه فعلًا معرفياً ومقاوماً. كان الحزن في أدائه منضبطاً، والغضب واضحاً لا منفجراً، والصمت محمّلاً بثقل التجربة. دقّة أدائه وقدرته على ضبط الانفعال دون إخماده مبهرة. فهم بكري أن التمثيل العظيم لا يقوم على رفع الصوت أو المبالغة المسرحية، بل على التحكم والنية، وعلى الشجاعة في السماح للكاميرا بأن ترى ما يفكّر فيه الممثل قبل أن ينطق به. من خلال وجهه كنا نرى الرقة الكامنة خلف القسوة، كأن ملامحه نفسها تُجسّد طبقات الذاكرة الفلسطينية.

 

محمد بكري المتشائل يحسم أمره ويغادرنا

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع